Tahawolat
ما هي مقدمات إعلان دولة لبنان الكبير؟

اسمح لي أن أبدأ بمقدمة لابد منها قبل الدخول في الموضوع مباشرة: "تعتبر الحقبة الممتدة من سنة 1914 حتى سنة 1920 من أهم الحقبات في تاريخ لبنان المعاصر على الإطلاق. إنها مرحلة التقلبات العميقة التي شهدها الشرق الأدنى نتيجة الحرب العالمية الأولى التي شغلت الحكومات الأوروبية طيلة القرن التاسع عشر. رسمت خلالها، في خطوطها الكبرى، بدءًا بمراسلات "مكماهون- الحسين، مرورًا باتفاق سايكس- بيكو وبوعد بلفور وبمقررات مؤتمر سان ريمو، وبمعاهدة سيفر خارطة الدول التي أنشئت في غرب آسيا بعد تفكك الدولة العثمانية. كما أنها شهدت بداية وضع يد اليهود على فلسطين بقيادة الحركة الصهيونية في ظل الانتداب البريطاني، قضي خلالها على الحلم الهاشمي بإقامة إمبراطورية موحدة تضم الولايات العربية العثمانية والآسيوية السابقة، ومن ضمنها شبه الجزيرة العربية بكاملها، من حدود فارس إلى حدود مصر. أما المملكة السورية التي أعلن قيامها مؤتمر دمشق في آذار 1920، بقيادة فيصل بن الحسين، فسقطت إثر معركة ميسلون في تموز من السنة نفسها وأرغم فيصل على مغادرة البلاد. في تركيا بعد انهيار الحكم العثماني سطع نجم مصطفى كمال الذي تصدى لتجزئة هضبة الأناضول، تجزئة كان قد خطط لها الحلفاء المنتصرون في الحرب، ورفض معاهدة سيفر وواجه بشراسة أعداءه في الداخل والخارج، فاستطاع في النهاية أن يخرج الجيوش المحتلة من الأناضول وأن يفرض شروطه في معاهدة لوزان.

إن الاتفاقات السرية التي كان الحلفاء قد عقدوها فيما بينهم حول تركة الرجل المريض أضحت حبرًا على ورق، ولم يطبق منها إلا اتفاق سايكس- بيكو، ولكن بعد أن أدخلت عليه تعديلات جذرية قضت على جوهره، لاسيما بعد أن أطلق الرئيس الأميركي "ولسون" في مطلع العام 1918 مبادئه الأربعة عشر، ومن بينها مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وبعد أن فرض في المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم، نظام الانتداب الذي أخضعت له المستعمرات الألمانية السابقة في إفريقيا والمحيط الهادي، والأراضي التي سلخت عن السلطة العثمانية. أما الاتفاق المتعلق بمدينة القسطنطينية وبمضيقي البوسفور والدردنيل التي كانت روسيا قد عقدته مع حليفتيها فرنسا وبريطانيا في العام 1915. فأطاحته الثورة البلشفية التي قضت على النظام القيصري في العام 1917. إن اتفاق "سان جان دو مورين" الذي نص على اقتطاع منطقة من غرب الأناضول، تخضع للإدارة الإيطالية المباشرة، وأخرى للنفوذ الإيطالي وحده، سقط هو أيضًا أمام مقاومة مصطفى كمال والقوميين الأتراك.

أما متصرفية جبل لبنان فدكت الحرب العالمية الأولى أسس كيانها السياسي والاقتصادي والاجتماعي: انتهك جمال باشا نظام البروتوكول، وقضت المجاعة على ثلث سكان المتصرفية، ودمرت الحرب والإجراءات التعسفية العثمانية البنى الاقتصادية للجبل الذي تعرض لحصارين، بري قام به الأتراك وبحري قام به الحلفاء، ولوحقت القيادات اللبنانية السياسية والدينية وزجّ بعضها في السجون واقتيد البعض إلى المشانق وسلك البعض الآخر طريق المنفى. بعد انسحاب العثمانيين من بيروت ودمشق في 30 أيلول 1918 وبعد توقيعهم هدنة "مودرس" في 30 تشرين الأول، تنفس اللبنانيون الصعداء وانكبوا على التخطيط لمستقبل بلدهم، برز هنا تياران، لكل منهما رؤيته وخياراته. عمل الأول من أجل دولة سورية كبرى موحدة تضم أيضًا لبنان وفلسطين، بينما تشبث الثاني باستقلال لبنان عن أي كيان سياسي مجاور، وبتوسيع حدود المتصرفية لتحويلها إلى دولة قادرة على تأمين العيش لسكانها. تزعّم التيار الأول البطريريك الماروني إلياس الحويك صديق الفرنسيين. وتزعّم التيار الثاني الأمير فيصل بن الحسين المقرب من الإنكليز، استمر الصراع بين التيارين طوال تلك الفترة ولم يهدأ إلا أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات من القرن الماضي".

لبنان الكبير هو نتيجة مسار استمر منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا حتى العام 1920. كان هناك طوائف إسلامية ومسيحية تعرضت للاضطهاد فلجأت إلى المنطقة المعروفة بمنطقة جبل لبنان لتحتمي من ظالميها. لم تكن منطقة جبل لبنان هي المنطقة الوحيدة التي لجأ إليها الهاربون من الظلم. كان هناك أيضًا المنطقة المعروفة بمنطقة جبال العلويين في سوريا. بشكل عام كانت كل المنطقة الممتدة من حدود تركيا إلى حدود فلسطين تسكنها أقليات متعددة. مسيحيون، دروز، علويون، وغيرهم. كانت الجبال في ذلك الوقت المكان الأنسب للاختباء والحماية. في القرن التاسع عشر حدثت تحولات مهمة. فالطوائف المسيحية التي كانت بدأت تنتقل من شمال لبنان إلى وسطه وجنوبه منذ القرن السادس عشر، أي منذ عهد العسافيين والمعنيين والشهابيين. اشتد عودها في القرن التاسع عشر، وذلك بفضل المستوى الثقافي الذي بلغته بمساعدة الإرساليات الأجنبية، وبفضل إعادة افتتاح مدرسة روما للموارنة، وعودة تلامذة روما. أيضًا بلغ المسيحيون في ذلك الوقت مستوى ماليًّا جيدًا، وذلك بفضل تعاطيهم التجارة مع أوروبا. أيضًا جاء سكن المسيحيين في الجبال بعيدًا عن خطوط المواصلات، التي كانت تنقل الأمراض الفتاكة ليعزز مكانتهم أيضًا ديموغرافيًّا. إذًا كل هذه الأمور مجتمعة عززت من نفوذ المسيحيين وجعلتهم يفكرون بموطئ قدم آمن لهم. هم لم يفكروا ولا مرة بإنشاء وطن خاص بهم؛ جلّ ما فكروا به هو إيجاد موطئ قدم آمن خاص بهم.. ازدياد قوة المسيحيين جعل بعض العائلات من الطوائف الأخرى تفكر باعتناق المسيحية. كالشهابيين واللمعيين.

. لماذا رفض المسيحيون الانخراط في دولة سورية موحدة وآثروا الانفصال التام وتوسيع حدود لبنان؟
تفكيرهم هذا جاء نتيجة المعاناة داخل السلطة العثمانية. ففي العقود الثمانية التي سبقت الحرب العالمية الأولى كانت السلطنة في مرحلة احتضار وفي صراع مستمر مع أوروبا ومع الحركات القومية في البلقان وأرمينيا. وكلما خسرت جولة في صراعها هذا كانت شعوبها الإسلامية تميل إلى صبّ غضبها على الأقليات المسيحية التي تعيش في كنفها؛ متهمة إياها بالتعاطف مع أعدائها وبالعمل على نصرتهم. يضاف إلى ذلك أن المساواة بين المسلمين وغير المسلمين التي فرضتها التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر، أي التي فرضها بالتحديد خط كلخانة عام 1839 والخط الهمايوني عام 1856، أثار سخط المسلمين وموجة من التعصب الديني في صفوفهم، لأنهم رفضوا التخلي عن امتيازاتهم تجاه أهل الذمة الذين كانوا يعتبرون مواطنين درجة الثانية يمكن إخضاعهم للضرائب والخوات والسخرة.

في هذه الأجواء المشحونة، جرت أحداث 1860 في جبل لبنان، وفي دمشق، مخلّفة وراءها عددًا كبيرًا من القتلى والمشردين. عرفت مناطق البلقان وجزر المتوسط للأسباب نفسها مذابح مروعة، وكان آخر السلسلة التقتيل والتشريد اللذان تعرض لهما الأرمن والسريان والآشوريون في آسيا الصغرى ابتداء من العام 1894 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى. يضاف إلى ذلك الحصار التمويني الذي فرضه الأتراك على متصرفية الجبل خلال الحرب العالمية الأولى.

عندما انهارت الدولة العثمانية عام 1918 كانت ذكرى هذه الأحداث مازالت مطبوعة في الذاكرة الجماعية للطوائف المسيحية في أنحاء السلطنة كافة، وفي لبنان بنوع خاص، كما كانت المشاهد المأساوية في سنوات الحرب ماتزال ماثلة للعيان. عندما انهارت السلطنة العثمانية عام 1918، كانت ذكرى هذه الأحداث مازالت مطبوعة في الذاكرة الجماعية للطوائف المسيحية في أنحاء السلطنة كافة، وفي لبنان خاصة. كما كانت بعض المشاهد المأسوية للمجاعة في سنوات الحرب ماتزال ماثلة للعيان.

هذه هي الأسباب العامة والبعيدة التي جعلت المسيحيين في لبنان يعملون لاستقلال وطنهم ويرفضون الاندماج في دولة سورية موحدة. يضاف إليها اعتبارات ظرفية أخرى يمكن تلخيصها بما يلي:

لما كان سكان جبل لبنان قد تمتعوا عبر تاريخهم بشيء من الخصوصية في إدارة المناطق التي يسكنون، وذلك في ظل الحكمين العربي والعثماني، ولما كان نظام المتصرفية قد أعطى المسيحيين مركزًا ممتازًا ونص على أن يكون الحاكم، أي المتصرف مسيحيًّا، وأبعد عنهم نهائيًّا نير الذميّة وجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات مع طوائف الجبل الإسلامية، ولما كان اتفاق سايكس- بيكو قد وضع الساحل السوري– اللبناني، مع المتصرفية وسهل البقاع تحت الإدارة الفرنسية المباشرة ضمن المنطقة التي عرفت بالمنطقة الزرقاء، ولما كان لمسيحيي لبنان علاقات طيبة مع فرنسا، كان من الطبيعي أن يستفيد هؤلاء من الظرف المواتي وأن يعملوا على إنشاء كيان سياسي قابل للحياة، تتأمن له مقومات البقاء ويقيه ضم الأقضية البقاعية والمدن الساحلية إلى الجبل خطر المجاعة التي فتكت بسكان المتصرفية خلال الحرب. المسيحيون لم يأخذوا هذا الخيار، لا كرهًا بالمسلمين، ولا تشفيًا بسقوط السلطة العثمانية، ولا انتقامًا لما عانوه عبر تاريخهم، ولا عداء للعروبة بل ضمان لمستقبلهم ودرء لخطر قد يهدد وجودهم في المستقبل.

هل توافقني الرأي على أن نتائج أعمال لجنة "كنغ- كراين" أثبتت أن الهوية اللبنانية كانت ومازالت تائهة بين نظريتين، واحدة تختبئ وراء فينيقية متزمتة وأخرى عروبة مفلسة؟
كل اللبنانيين الذين مثلوا أمام لجنة "كينغ- كراين"، وهي اللجنة التي أرسلها الرئيس الأميركي "ولسون" لتقصّي الحقائق في مناطق الأمة السورية، وكانت برئاسة هنري كينغ وعضوية شارل كراين. وكان الفرنسيون والإنكليز قد رفضوا المشاركة في أعمال هذه اللجنة. إذ كانت المخابرات الفرنسية ترسل من سوريا التقرير تلو الآخر إلى الحكومة في باريس، ناقلة أخبار الدعاية الكثيفة التي يقوم بها الإنكليز وأتباع فيصل في فرنسا، واقتنع "كليمنصو" بأن أي تحقيق يجري في هذه الأجواء سيكون ضارًّا ببلاده. لذا أعلن في 21 أيار خلال اجتماع لجنة العشرة، أنه يرفض المشاركة في اللجنة التي ينوي الرئيس الأميركي إرسالها إلى الشرق مادامت القوات البريطانية تحتل سوريا ولم تسلمها إلى الفرنسيين. بدورهم تذرع الإنكليز بموقف الفرنسيين ليرفضوا هم أيضًا المشاركة في اللجنة. في النهاية تشكلت اللجنة من مندوبين أميركيين فقط. وبعد أن قامت اللجنة بتحقيقاتها في فلسطين انتقلت إلى سوريا فلبنان. في لبنان طالبت الطوائف المسيحية بصورة عامة لاسيما الكاثوليكية منها وعلى رأسها الإكليروس الماروني باستقلال لبنان وتوسيع حدوده. وبالانتداب الفرنسي عليه. كذلك قسم كبير من المسلمين أيّد قيام دولة لبنان الكبير. نذكر على سبيل المثال السنة والشيعة في صور. أيضًا نقيب الأشراف ونقيب العلماء في صيدا أيّدا قيام دولة لبنان الكبير. الطائفة الأرثوذكسية أيدت أيضًا هذا المطلب وطالبت بضم بيروت إلى دولة لبنان الكبير.

أما بالنسبة لطرابلس فقد كان الموقف منقسمًا. قسم من سكانها طالب بالوحدة مع سوريا تحت إشراف الفرنسيين، وقسم آخر طالب بالوحدة العربية، أي مشروع فيصل بمساعدة أميركية بريطانية. هذا الانقسام مرده إلى أن طرابلس لم يكن معروفًا لمن ستؤول في ذلك الوقت. وأنا شخصيًّا أعتقد أن سلخ طرابلس عن سوريا وضمها إلى دولة لبنان الكبير كان غلطة تاريخية ارتكبها الفرنسيون، إذ لايجوز حرمان دولة من منفذ بحري على الداخل. أما شيعة البقاع فهم أيضًا صوتوا مع لبنان الكبير أمام لجنة كينغ- كراين. فقد حضر وفد كبير من المخاتير يمثل ستين قرية أمام لجنة "كينغ- كراين، وطالبوا بلبنان الكبير، الأمر الذي أغضب الأمير فيصل فقام باعتقال اثنين من المخاتير وسجنهم.

لم يكن لفرنسا خيار واحد بالنسبة لدولة لبنان الكبير، هل هذا صحيح؟
كان المسؤولون الفرنسيون يتأرجحون فيما يخصّ مستقبل سوريا، بين خيارين: إما بقاء المنطقة الواقعة تحت انتدابهم موحدة في دولة سورية كبيرة، تسهل إدارتها وتكون الاستثمارات فيها مربحة، مع إمكان كسب رضا الوحدويين وولاءهم، وإما العمل على إعطاء الأقليات حقوقها وتحريرها من نير الأكثرية التي عانت منه في العهود السابقة، والسماح لها بالمحافظة على خصوصياتها. كان هؤلاء في البدء يميلون إلى الخيار الأول، وهذا ما سعى إلى تحقيقه المفوض السامي جورج- بيكو، طيلة العام 1919، ومعه رئيس الوزراء كليمنصو الذي راهن بعد أن استثنى لبنان من الوحدة السورية– على الأمير فيصل لإنجاح هذا الخيار، فعقد معه اتفاقًا في 6 كانون أول 1920، وبعد أن فشل فيصل في تطبيق شروط الاتفاق وانجراره وراء التيار الذي رفض الاتفاق، ما أدى إلى الصدام في ميسلون. انتقل الفرنسيون إلى الخيار الثاني، خيار دويلات الأقليات، وإلى الاعتماد على لبنان الكبير ليكون مركز نفوذ لفرنسا ومركز إشعاع لثقافتها في الشرق.

إذًا لولا هزيمة ميسلون لما كان هناك دولة لبنان الكبير، هل هذا صحيح؟
لقد غيّرت معركة ميسلون الوضع القائم كليًّا. أصبحت فرنسا سيدة الموقف بعد أن تنحت إنكلترا ولو مؤقتًا، تاركة لها حرية تنظيم المنطقة التي أوكل مؤتمر سان ريمو إليها إدارتها. اعتبر دعاة لبنان الكبير أن قضيتهم أصبحت سهلة المنال، وبينما كانت الأحداث تتوالى على الساحتين المحلية والدولية، كان الوفد اللبناني الثالث يتابع مساعيه في باريس. إنه سلّم المسؤولين الفرنسيين مذكرات عدة تتعلق بتوسيع حدود لبنان شرقًا وغربًا. لكن أعضاء الوفد لم يكونوا متفقين جميعًا على المناطق التي يجب أن تضمها المتصرفية. فالشيخ يوسف الجميل مثلًا كان يعارض بشدة إلحاق بيروت وطرابلس بالجبل، وكان ينسق في هذا الموضوع، مع "روبير دوكاي"، أمين عام المفوضية العليا في بيروت، وكان غورو قد أرسله إلى باريس لمتابعة المداولات المتعلقة بسوريا ولبنان مع الحكومة الفرنسية.

يضاف إلى ذلك أن المطالبين بدولة لبنان الكبير خفّ حماسهم لضم صور وصيدا ومرجعيون إلى لبنان، لتصل حدوده الجنوبية إلى رأس الناقورة، بعد التعديات الدموية على القرى المسيحية في جبل عامل ربيع عام 1920. كان سكان جبل عامل الشيعة يقدرون في ذلك الوقت بثمانين ألف نسمة، فلو توقفت الحدود عند نهر القاسمية، كما طالب الوفد اللبناني الأول إلى مؤتمر الصلح، وكما كان يطالب الإنكليز والحركة الصهيونية، لانشطرت المنطقة التي كان يسكنها الشيعة إلى قسمين، قسم منها فقط داخل لبنان، ولتسبب ذلك بخلق مشاكل اجتماعية وإدارية ناتجة عن التوزيع الجغرافي للأسر ولرؤساء الدين وللزعامات المدنية وللملكيات، وبزعزعة اقتصاد جبل عامل بصورة عامة. إلى جانب ذلك كان الفرنسيون يرفضون قطعًا إلحاق جنوب هذا الجبل بفلسطين والسماح للصهيونيين بدفع "وطنهم القومي" شمالًا حتى نهر الليطاني، وكان رأي "غورو" أنه من الأفضل المحافظة على وحدة الكتلة الشيعية على أن تكون داخل لبنان الكبير، فأبرق إلى فرنسا مفصلًا ذلك. وقد تبنت الحكومة رأيه وعملت بموجبه.

بعد أن أجرى الوفد اللبناني الثالث اتصالاته على المستويات كافة ونال وعودًا مطمئنة، لم يعد هناك مبرر لبقائه في باريس، لكنه كان يرغب قبل عودته بالحصول من الحكومة الفرنسية على وثيقة رسمية شبيهة بالتي حصل عليها البطريريك الحويك من كليمنصو. في النهاية نال مبتغاه إذ إن رئيس الوزراء "ميللران"، وجّه إلى المطران عبد الله الخوري في 24 آب رسالة أكد فيها أن فرنسا عازمة على إنشاء دولة لبنان الكبير بضمها إلى المتصرفية سهل البقاع والمدن الساحلية. ومما جاء فيها: "إن ما تريده فرنسا هو إنشاء دولة لبنان الكبير بضمانها لبلدكم حدوده التاريخية. يجب أن يضم لبنان وجبل عكار في الشمال، وأن يمتد جنوبًا حتى حدود فلسطين. يجب أن ترتبط به ارتباطًا وثيقًا مدينتا طرابلس وبيروت شرط أن تتمتعا باستقلال داخلي يأخذ الفوارق الاقتصادية بين المدن والجبل".

ما كادت معركة ميسلون تنتهي، حتى أبرق "ملليران" إلى غورو يقول إن الصلة الوحيدة التي يجب أن تقوم بين مختلف أجزاء سوريا هي المفوضية العليا الفرنسية، ثم يعده بأن يرسل إليه قريبًا مخططًا لتنظيم الانتداب على هذا البلد. كان المخطط المذكور يلحظ سلسلة من الكيانات تتمتع باستقلال ذاتي في إطار جمهوري تشكل منها كونفدرالية تحت سلطة المفوضية الفرنسية العليا. أما فيما يخص لبنان فنقرأ مايلي: "لايمكن أن ينضم هذا البلد إلى الكونفدرالية السورية وباستطاعتنا لاحقًا أن ندفع به إلى الانضمام إلى الكونفدرالية إذا كانت الرقابة الفرنسية عليه فعلية وناجحة". ويتطرق المشروع إلى مدينتي طرابلس وبيروت، فأكد أن نظام المدينة المستقلة إداريًّا يصلح تمامًا للأولى، أما الثانية فهي كبيرة الأهمية وكثيرة السكان، فلا يجوز أن يختزل دورها بجعلها فقط عاصمة للبنان. ولكن إذا قرر إلحاقها بلبنان فيجب أن تحتفظ بلديتها باستقلال إداري ومالي وداخلي واسع.

قسم هذا المخطط المناطق السورية إلى ثماني وحدات تتمتع باستقلال ذاتي وهي، من الشمال إلى الجنوب "سنجق الاسكندرونة"، مدينة حلب، المجموعة العلوية، مدينة حماه، مدينة حمص، مدينة دمشق، وأخيرًا منطقة حوران التي تشتمل على وحدتين، الأولى سنية والثانية درزية. وتمثل المفوضية العليا الفرنسية الرابط الفيدارلي بين هذه الوحدات المستقلة. هذا المشروع رفضه الجنرال غورو، مؤكدًا أنه يفتت سوريا. وأن هذه الفيدرالية المقترحة بعناصرها المتعددة هي مكلفة ماديًّا وتشكل خطرًا على المستوى السياسي، فقدم بدوره اقتراحًا يقضي بإنشاء دولة لبنان الكبير، مع أكثرية مسيحية طفيفة ومنطقة علوية مستقلة ودولتين سنيّتين في دمشق وحلب.

بُودلت بعد ذلك وطيلة شهر آب 1920 الاقتراحات والاقتراحات المضادة بين وزارة الخارجية في باريس والمفوضية الفرنسية العليا في بيروت. وفي النهاية استطاع غورو أن يقنع حكومته بوجهة نظره، فأعطته الضوء الأخضر. استند غورو إلى الضوء الأخضر وإلى معاهدة "سيفر" وإلى ما اتفق عليه في "سان ريمو" لتنظيم إدارة البلاد التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي. وبموجب القرار 299 جرى ضم الأقضية البقاعية الأربعة، أي بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا، إلى لبنان، ثم أنشأ في 18 آب بموجب قرار آخر دولة دمشق التي ضمت مدينة دمشق والمناطق المجاورة لها، مع حمص وحماه في الشمال وحوران في الجنوب. وإنشاء على الساحل الشمالي- الغربي دولة العلويين. وأخيرًا في الأول من أيلول، أنشأ في شمال سوريا بموجب القرار 330 دولة حلب التي ضمت المناطق التي كانت تشكل في العهد العثماني ولاية حلب، وألحق بها لواء الاسكندرونة الذي أعطي في إطارها استقلالًا إداريًّا. أما دولة جبل الدروز فلم تبصر النور إلا في آذار عام 1921.

تحدثت طويلًا عن موقف المسيحيين من دولة لبنان الكبير ولم تتطرق إلى مواقف الطوائف الأخرى؟
في البداية رفضت الأكثرية الإسلامية، لاسيما السنية الكيان الجديد وجندوا مؤيديهم في الدول المجاورة وبلدان الاغتراب. ولم يخف حماسهم مع ولادة الدستور اللبناني الذي ثبت الكيان وحدوده، ولم يظهر أي انقسام فعلي في صفوفهم إلا في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي. حين انعقد مؤتمر الساحل الثاني في 10 آذار 1936 في منزل الزعيم البيروتي "سليم علي سلام". برز في المؤتمر اتجاهان. أصرت الأكثرية على الوحدة السورية، بينما رأت أقلية بقيادة كاظم الصلح، أن الأولوية يجب أن تعطى لمسألة السيادة ولوضع حد الانتداب، على أن يعالج موضوع الوحدة في مرحلة لاحقة. أصحاب هذا التيار منعهم من الدفاع عن وجهة نظرهم. لذا رفضوا التوقيع على المذكرة الختامية التي رفعت إلى المفوض السامي الكونت دومرتيل. والتي أكدت على مقررات المؤتمر السابقة وعلى رأسها الوحدة الشاملة. وأكثر من ذلك فإن كاظم الصلح قام بنشر موقفه في الصحف ومما جاء فيه: "نحن لانريد أن نبني وطنًا نصف سكانه أعداء له. وبكلمة أخرى لانريد أن نرغم إرغامًا فريقًا كبيرًا من سكان الساحل على الانضمام إلى سوريا وطن الوحدة".. هذا البيان اعتبر تحولًا جذريًّا في نظرة العديد من القادة والمثقفين المسلمين إلى الكيان اللبناني، وقد كان له وقع كبير في نفوس الناس، حتى إن عددًا من أصدقاء الصلح أعادوا نشر البيان في كراس صغير من 16 صفحة وبعد أن وضعوا مقدمة له. هكذا بدأ التحول في موقف المسلمين من دولة لبنان الكبير الذي سرعان ما أخذ يزداد عمقًا عموديًّا واتساعًا أفقيًّا.

دولة لبنان الكبير قامت على تسوية، وهذه التسوية لم تستطع أن تبني وطنًا ماذا تقول في ذلك؟

شكلت التسويات دائمًا قاعدة لحل الخلافات في المجتمعات المركبة، ويشترط لكي تنجح وتصمد أن يكون للمجموعات التي تتكون منها نظرة واحدة إلى الإنسان وحقوقه، وتقدير لفضائل وقيم مشتركة، تترجم في قوانين موحدة تطبق على الجميع دون استثناء. تكمن المشكلة في لبنان في الطائفية المجتمعية، لا في الطائفية السياسية. لولا الأولى لما وجدت الثانية. فالأولى تسمح لأبناء الطوائف بأن يتجاوروا ولكنها تمنعهم من أن يندمجوا. إنها تفرض عليهم نظرة مقولبة إلى الآخر، فتصوره مختلفًا في الجوهر. لذا فإنها تمنع التزاوج بين ديانتين، وتفرض نفسها وصية على حياة الإنسان وتحرمه حرية الاختيار.

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net