Tahawolat
بعثَ المؤرّخ الدكتور حسان حلّاق، في 6 تشرين الأول 2017، برسائل علنية إلى الرؤساء الثلاثة، عون وبرّي والحريري، يرفض فيها الاحتفالية المئوية للبنان الكبير التي ستجري العام 2020، معتبرًا أنّ الدولة الوليدة كانت صنيعة دولةٍ استعمارية هي فرنسا، وكيانًا مرفوضًا من قبل المسلمين، ما رأيك بهذا الطرح؟

وبعد شهور قليلة من تصريح حلّاق، صدرت الطبعة الخامسة لكتاب الدكتور لويس صليبا بعنوان: “لبنان الكبير… أم لبنان خطأ تاريخي!” الذي حدّدَ المؤلف فيه هذا الخطأ بتوسيع حدود متصرّفية جبل لبنان إلى ما وراء المناطق المسيحية، وإدخالِ مسلمين ومناطق إسلامية (بيروت ومدن ساحلية أخرى: صيدا وطرابلس، والبقاع، والأقضية الأربعة) ضمن الدولةِ الجديدة. فخسر المسيحيون الموارنة، بذلك، سيادتهم الديموغرافية السابقة في الجبل التي كانت قد بلغت 58% من مجموع السكان؛ لكن معظمهم اعتبر أنّ الدولة الجديدة تحقّق أمانيهم القومية، بينما رأى المسلمون الملحقون بلبنان الكبير أنّها تنتزعهم من فضائهم العربي- الإسلامي الأوسع، وتحوّلهم إلى أقلية كباقي الأقليات. فنشأ منذ ذلك الحين صراع بين مشروعين وهويتين.

وإذا كان المؤرّخ حلّاق يرى وجود “كذبة تاريخية” في إنشاء “لبنان الكبير”، أو حصول “خطأ تاريخي” في ولادته بالشكل الذي ولد فيه، وفق الدكتور لويس صليبا، فهل فكّر أحد منا يومًا، على الأقلّ خلال أزمات لبنان الكثيرة المتلاحقة وعدم الاستقرار السياسي والسلم الأهلي وسلبه سيادته على مدى قرن كامل، في أنّه كان من الأفضل الإبقاء على متصرّفية جبل لبنان منفصلة عن محيطها العربي- الإسلامي، وترك المسلمين حيث كانوا في فضائهم العربي- السوري؟ وإذا كان هذا الخيار صائبًا، كما يرى البعض، فهل كان بإمكان “لبنان الصغير” أنْ يعيش من دون ضمّ السهل والمنافذ البحرية الحيوية إليه، وهو حاجة اقتصادية حيوية تكرّرت المطالبة بها منذ إنشاء المتصرّفية، خصوصًا بسبب هِجرة اللبنانيين المتواصلة، ومعاناة المقيمين منهم من المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى؟ ألا يتحمّل النظام الطائفي السياسي الذي يتغذّى من الطائفية المجتمعية أو يغذّيها ويجري التعايش في ظلّه، مسؤولية الاختلاف والاحتراب، وما آلت إليه الأوضاع وعدم تماسك “لبنان الكبير” لكي يكون، عن جدارةٍ وطنًا لجميع أبنائه، وفق نظام جديد غير طائفي؛ فيرتفع بذلك مؤشّر الاستقرار والسلم الأهلي إلى أعلى درجاته.

لبنان الذي تأسّس العام 1920، في سياق التسويات لولادة نظام إقليمي جديد كنتيجة للحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، لم يعرف الاستقرار والسلم الأهلي ولا السيادة الكاملة، على مدى قرن كامل، لماذا برأيك؟

لم يعرف جبل لبنان قبل العام 1842 الطائفية السياسية، ذلك أنّ أبناءه ابتكروا معادلة اجتماعية سياسية فريدة، قامت على الحفاظ على الطائفية المجتمعية، أي ببقاء كلّ طائفة في قراها وبلداتها على دينها، تمجّد قيمها وتاريخها، وتطوّر ثقافتها بحرّية وبمعزل عن الأخرى، حتى في المناطق ذات الاختلاط الديني. وفي الوقت نفسه، جرى اعتماد “نظام سياسي” غير طائفي يلبّي المصالح المشتركة فيما بين الطوائف على أساس العلاقات الوظيفية والتعاون في المجالين العسكري والسياسي، أي إنّ الانقسام كان حزبيًا- سياسيًا وليس طائفيًا لكن هذا النظام الاجتماعي- السياسي سقط بعد حربين داخليتين العامين 1841 و1860؛ فبقيت الطائفية المجتمعية وترسّخت، فيما حلّ نظام طائفي- سياسي تحميه الدول الكبرى محلّ النظام السياسي السابق فوق الطائفي الذي قام على النسبية الديموغرافية للطوائف فيما يتعلّق بتوزيع المناصب والسلطة، وضَمِنَ أمن المسيحيين في متصرّفية جبل لبنان وشخصيتهم وسيادتهم الديموغرافية فيه بنسبة 80%.. صحيح أنّ تلاقيًا حصل عشيّة الحرب العالمية الأولى بين المسيحيين والمسلمين من قيادات الجمعيات العربية والطلاب في باريس (المؤتمر العربي في باريس 1913)؛ من بيروت وجبل لبنان والولايات العربية ضمّ، ضمن ما ضمّ: عبد الغني العريسي ومحمد محمصاني، وشارل دبّاس وشكري غانم، وندره مطران، وعوني عبد الهادي، وجميل مردم، على أساس جعل العروبة قاسمًا مشتركًا للفريقين للتخفيف من وطأة الحُكم العثماني على بلاد الشام، أو على الأقل اعتماد اللامركزية في الولايات العربية، إلا أنّ المسلمين فهموا اللامركزية بأنّها عدم الخروج عن “الرابطة العثمانية” الإسلامية، وخلطوا بين العروبة والإسلام، فكرًا وممارسة، في حين أراد المسيحيون التخلّص من الحُكم العثماني. ثم تضافرت جهودهم معًا خلال الحرب العالمية الأولى للتحرّر من الحكم العثماني؛ فكانت ثورة الشريف حسين بن علي أبرز معالمها.

لكن نهاية الصراع الكوني شهدت افتراقًا بين الجانبين: زعامات إسلامية منشدّة بشغفٍ إلى عروبتها، تسعى إلى مشروع قومي لتوحيد بلاد الشام بقيادة الملك فيصل بن الحسين، يرى بعضها -مع قواعده الشعبية- أنّ الإسلام هو أساس العروبة، حيث اعتبر المفكّر شكيب أرسلان أنّ “العروبة وعاء الإسلام، وأنّ الإسلام روح العروبة” (ناجي). أما المسيحيون، وغالبيتهم موارنة يتلقّون الدعم من قبل فرنسا، فكانوا يريدون، وفي ذاكرتهم 400 سنة من الاحتلال العثماني كأهل ذمّة، تحقيق حلمهم الاستراتيجي القديم بإنشاء دولة قومية لبنانية منفصلة عن محيطها العربي- الإسلامي بمساحة أكبر من متصرّفية جبل لبنان، تحت شعار “الضرورات الاقتصادية”، وذلك بسبب الخوف من إسلام يزحف عليهم برداء العروبة. وكان هذا مؤشّرًا على تخلّي غالبية الموارنة عن عروبة كانوا هم جزءًا من روّادها منذ منتصف القرن التاسع عشر. فكان إعلان فرنسا إنشاء “لبنان الكبير” في الأول من أيلول 1920 يحقّق أمانيهم التاريخية في دولة مستقلة عن الدولة العثمانية ومنفصلة عن محيطها.

ماذا كانت تداعيات ذلك على لبنان؟

جعلت المتغيرات العميقة التي أتينا على ذكرها، المسيحيين والمسلمين يقفون وجهًا لوجه في الكيان اللبناني الجديد؛ فاعتبره الموارنة أنه يصون ثقافتهم وهويتهم التي رأوا أنها تتغذّى من روافد حضارية عديدة (الفينيقية والعربية قبل الإسلام، والبيزنطية والمتوسطية والغربية…، بينما رفض المسلمون المقولة تلك، معتبرين أنّ “لبنان الكبير” يسلبهم هويتهم العربية الفريدة ويُضعف شخصيتهم الإسلامية. لذا، تطلّعوا في حينه إلى محيطهم العربي، وخاصّة إلى سوريا. ومن أسباب رفض مسلمي بلاد الشام “لبنان الكبير، والانتداب الفرنسي عليه، هو أنّ دولة الاستعمار فرنسا كانت مكروهة من قبلهم، لصيتها الدموي ضدَّ الثورة الجزائرية وفي المغرب العربي، وقيامها بالقضاء على الحكومة العربية في ميسلون العام 1920، وعلى الثورة السورية بين الأعوام 1925 و1927؛ فكيف إذا كانت تريد إقامة كيان مسيحي يخدم مصالحها في خاصرة سوريا العربية؟ هكذا، حصل انقسام طائفي على ولادة لبنان الكبير.

ومن جهتها، عملت سلطة الانتداب الفرنسي على دمج الطوائف اللبنانية في الكيان الجديد لتعزيز التماسك المجتمعي- السياسي، وقامت، في الوقت نفسه، بإصلاحات تنموية في الإدارة وتعزيز قطاع الخدمات والبنى التحتية لا تزال معالمها واضحة حتى الوقت الراهن؛ حتى إنها وافقت، عشيّة الإحصاء السكاني الأول العام 1922، على أنْ يَقصّ المسلمون الراغبون الشطر الأدنى من تذاكر الهوية التي كانت ستُعطى لهم؛ حيث ذُكر نصّ على أنّ حاملها من الرعية اللبنانية. وجرى وضع دستور طائفي للجمهورية اللبنانية الناشئة، العام 1926، قيل إنّه “مؤقت”، وتعيين الأرثوذكسي شارل دبّاس، غداة إقراره، أول رئيس لها، وسط امتعاض الموارنة كونهم يمثّلون الأكثرية المسيحية. وفي العام 1934، كان الماروني حبيب باشا السعد ثاني رئيس للجمهورية. وجاء تعيين دبّاس من قبل سلطة الانتداب لرئاسة الجمهورية كونه مقبولًا من قبل الطوائف الدينية الأخرى، والأقلّ استفزازًا لها. إشارة إلى أنّ هذا الطائفي “المؤقت” في الدستور، ظلّ أساس النظام الطائفي الموروث من المتصرّفية العثمانية، واستمر خلال العهود اللبنانية، عبر “اتفاق الطائف” حتى الوقت الراهن.

وبالنسبة إلى المسلمين المقاطعين، في غالبيتهم لـ“لبنان الكبير”، أو المتحفظين عليه، فبالإضافة إلى إغراءات الانتداب لهم واسترضائهم، (تنظيم شؤون طائفتهم منذ العام 1922، وتعيين شخصية سنيّة لمنصب مفتي بيروت، الذي تحوّل إلى “مفتي الجمهورية اللبنانية” في عهد الرئيس إميل إده، وإنشاء محكمة جعفرية للشيعة العام 1926، فقد اتسمت بعض الشخصيات الإسلامية بالواقعية السياسية، وانخرطت في إدارة “دولة لبنان الكبير” منذ العام 1920، وإنْ بشكل بطيء، على عكس ما يذكره بعض المؤرّخين. فكانت رؤية هؤلاء؛ ومنهم عادل عسيران ورياض الصلح وكاظم الصلح وتقي الدين الصلح، وشفيق لطفي، ويوسف الجوهري… أنّ “دولة لبنان الكبير” أصبحت كيانًا معترفًا به، وبالتالي لا يمكن التراجع عنه.

وظهر منحى انخراط مسلمين في “لبنان الكبير” بوضوح أكثر منذ نهاية العشرينيات وخلال الثلاثينيات، في مقابل دعوات من مسلمين آخرين إلى إقامة فدراليتين، مسيحية في جبل لبنان، وإسلامية في المناطق التي ضُمّت إلى “لبنان الكبير”. وسوف تتكرّر دعوات المسلمين إلى الفدرالية كلما شعروا بأنَّ الأمور تسير لغير صالحهم، وهذا يذكرنا بدعوات مشابهة للموارنة إلى الفدرالية أكثر تركيزًا منذ اندلاع الحرب في لبنان العام 1975، وما تزال متواصلة حتى الوقت الراهن. وبعدما انتهى مؤتمر الساحل الثالث في آذار العام 1936 إلى رفض “لبنان الكبير” من قبل المسلمين المجتمعين، والمطالبة بضمّ الساحل والأقضية الأربعة إلى سوريا، انسحب فريق من المشاركين رافضًا التوقيع على المذكرة، وعلى رأسهم كاظم الصلح وعادل عسيران وشفيق لطفي. وبعد أيام قليلة نشر كاظم الصلح مقالًا صحفيًّا بعنوان “مسألة الاتصال والانفصال في لبنان”، عبّر فيه عن وجهة نظر إسلامية جديدة لصالح “لبنان الكبير”. لكن المعاهدة الفرنسية- السورية أواخر العام 1936، واعتراف سوريا بلبنان الكبير، وضعتا حدًا لطموحات القوميين العرب الوحدوية الذين اعتبروا أنفسهم جزءًا لا يتجزأ من الشعب السوري. فبدأ المسار السياسي يتجه، منذ ذلك الحين، إلى اعتراف المسلمين الكامل بلبنان الكبير وبناء على هذا التحوّل، دخلت منذ أواخر الثلاثينيات قيادات مسيحية وإسلامية من البرجوازية معًا في حوارات حول أفضل الطرق للتعايش الطائفي، تجمعهم قواسم مشتركة ومصالح اقتصادية، أهمها العلاقات الاجتماعية بين أبناء الطائفتين، وإدراك البرجوازية المسيحية أنه من الحماقة فصل لبنان عن داخله العربي، وقد ارتبطت بمصالح تجارية ومالية مهمّة معه، وتنبّه البرجوازية الإسلامية إلى أنّ مصالح المسيحيين المتينة مع فرنسا والغرب يمكن أنْ تعود بالفائدة عليهم. وقد استمرّت تلك النقاشات حتى العام 1943، وتمحورت حول قضية واحدة، وهي التوفيق بين القومية العربية (المطلب الإسلامي)، وبين الوطنية اللبنانية الناشئة (مطلب المسيحيين الموارنة)، وهو ما سينتج عنه “الميثاق الوطني” الشفوي العام 1943. مع ذلك، فإنّ غالبية المسلمين لم يتقبّلوا وطنهم الجديد إلا مكرهين، وذلك بسبب التنافر بين هويتين لبنانية وعربية، تستند كلّ واحدة منهما إلى الدين.

ما هو الدور الذي لعبته الديموغرافيا والتي تسميها أنت الديموغرافيا المشاغبة في تاريخ لبنان الكبير وجغرافيته؟
أدّت الديموغرافيا “المشاغبة”، وهي تصاعد أعداد المسلمين باضطراد، وهوية الدولة الجديدة ودستورها الطائفي، ونوعية المناصب وحجمها وتوزيعها، وانخراط المسلمين المتأخر في الإدارة، دورًا في النزاع بين المسيحيين والمسلمين. إشارة إلى أنَّ غالبية المسلمين ارتابوا بالمعاهدة الفرنسية- اللبنانية التي صدّق عليها البرلمان اللبناني في تشرين الثاني 1936، حيث لم يلحظ أي نص فيها المدة الزمنية لبقاء القواعد العسكرية الفرنسية في لبنان. صحيح أنّ الاتجاه الماروني العام كان مع “لبنان الكبير”، إلا أنّ قلّة من القيادات المارونية حذّرت، في حينه، من نمو الديموغرافيا الإسلامية مستقبلًا، وبالتالي من زوال لبنان المسيحي المستقلّ؛ فطالبت بتصحيح “الخطأ” بالعودة إلى “لبنان الصغير” وزيادة، بأنْ يقتصر توسيعه على بعض المناطق الحيوية لأمنه القومي والاجتماعي، بما لا يشكّل خطرًا ديموغرافيًّا على المسيحيين، ومن هؤلاء: إميل إده، والمطران أغناطيوس مبارك، والفيلسوف سليمان البستاني وغيرهم. لكن لم يُستجب لرأيهم. وقد تسبّب رفض سلطة الانتداب الفرنسي وقيادات سياسية وروحية مارونية وصول المسلم الشيخ محمد الجسر، المنفتح على البطريرك الراحل إلياس الحويك وعلى قيادات مسيحية، إلى رئاسة الجمهورية العام 1932، مدعومًا من نواب مسيحيين، بصدمة كبيرة للمسلمين، بأنّه يجري تهميشهم في “لبنان الكبير”. وقد قامت سلطة الانتداب بتعليق العمل بالدستور وحلّ مجلس النوّاب لمنع إجراء الانتخابات الرئاسية، وبالتالي منع وصول الجسر إلى سدّة الرئاسة.

من هنا، رأى فيلسوف القومية اللبنانية فؤاد أفرام البستاني “أنّ الصراع في لبنان هو سياسي وحضاري بين المسيحية والإسلام، منذ إلحاق الأقضية الأربعة” به التي أضافت إلى “لبنان الكبير” قرابة 200 ألف نسمة، جلّهم من المسلمين. وهذا ما جعل المولود الجديد يترنّح أمام الديموغرافيا الإسلامية “المشاغبة” وبالتالي من جراء الخلافات ذات الطابع الطائفي والثقافي، وباستقواء الطوائف بالخارج على بعضها بعضًا؛ فتطلّع الموارنة، في حينه إلى فرنسا، فيما مال المسلمون نحو سورية.

ما هو الدور الذي لعبه الميثاق في عملية التعايش بين طوائف دولة لبنان الكبير؟

كما سبق الذكر، فقد جرت محاولة لافتة لترتيب البيت اللبناني وكسب المسلمين إلى “لبنان الكبير” بين الأعوام 1938 و1943، وذلك بالتوافق على “ميثاق وطني” وشراكة حُكم مسيحية- إسلامية هدفا إلى التخفيف من حدّة التناقضات بين القومية اللبنانية والقومية العربية، كما على صيغةٍ طائفية لتوزيع المناصب والمراكز في رأس الدولة ومؤسّساتها على أساس الحجم السكاني لكلِّ طائفة. هذه التسوية اعتُبرت أساس “الديمقراطية التوافقية” التي سار لبنان عليها؛ لكنها كانت هشّة، إذ لم يهتمّ اللبنانيون بتطويرها، مبقين على الفروقات والاختلافات الداخلية، وليس حلّها. وفي تلك التسوية، لم تُحسم عروبة لبنان ولا خصوصيته، وبقيتا ملتبستين، عن قصد أو من دون قصد، (لبنان ذو وجه عربي) وكانت مجرد اتفاق على “التعايش” الطوائفي الذي يحمل في طياته حالتي الوفاق والنزاع. ويعود سبب ذلك إلى تقاسم السلطة على أساس النسبية الديموغرافية التي كانت تتغير صعودًا باضطراد لصالح المسلمين، وبالتالي تجعلهم يطالبون بإلحاح بتقاسم جديد لها، مقابل مقولة زعيم حزب الكتائب اللبنانية بيار الجميّل بسرمدية ما اتُّفق عليه في “الصيغة وتحت مظلّة التوافق المسيحي- الإسلامي"، خاض اللبنانيون معركة الاستقلال ضدَّ الانتداب الفرنسي العام 1943، موحدين بشكلٍ رائع للمرّة الوحيدة في تاريخهم، مغلبين مصلحة لبنان الوطنية على الانتماء الطائفي؛ فوصل مؤشّر الاستقرار والسلم الأهلي والنضال من أجل السيادة إلى أعلى درجاته في تاريخ لبنان. وبرأينا، لم تكن الفروق الطبقية والاختلافات الاجتماعية التي ذكرتُها سببًا رئيسيَّا لانسداد المسار أمام “لبنان الكبير”. وممّا ساعد على ذلك الاستقرار هو تعزيز لبنان دوره الاقتصادي والخدماتي الشرق أوسطي منذ الحرب العالمية الثانية حتى اندلاع حرب لبنان العام 1975، مستفيدًا من المقاطعة العربية للكيان الصهيوني في فلسطين بعد العام 1948. واستمر هذا الازدهار الاجتماعي والاقتصادي خلال عهد الرئيس شمعون الذي شهد حربًا داخلية قصيرة الأمد العام 1958 لم يكن لها طابع طائفيّ حاد، على الرغم من التدخّل السوري (الجمهورية العربية المتحدة) في لبنان عبر الحدود لدعم المعارضة اللبنانية ذات الغالبية الإسلامية لنظام شمعون. والجدير بالذكر، أنَّ العهد الشهابي راكم إنجازاتٍ ضخمة في الإدارة وقطاع الخدمات والتعليم، وفي الأطراف بشكلٍ خاصّ، وبالتالي امتصّ الكثير من الشكوى الإسلامية، حتى إنَّ البعض اعتبر هذا العهد مقدّمة لقيام الدولة المدنية في لبنان، بعيدًا عن العسكر والدين.

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net