Tahawolat
هل تساعدنا قراءة آلان دينو في فهم صراعاتنا في هذا الجزء من العالم؛ صراعات أصعبها ذاك الذي يواجه الميديوقراطية في الثقافة والسياسة والاقتصاد، وفي كلّ شيء.

"ضع هذه الكتب المعقّدة على الرفّ، فكتب المحاسبة تقوم بالمهمّة. لا تكن فخوراً ولا روحياً ولا حتى على ما يرام، لأنك بذلك قد تبدو متعجرفاً. خفّف من مشاعرك، فهي تثير الخوف، وخصوصاً أيّ فكرة متميّزة. هذه النظرة النفاذة تثير القلق. استرخِ وارخِ شفتيك - يجب أن تفكّر برخاوة وأن تظهر ذلك - تحدَّث عن الأنا واختصرها بأشياء ضئيلة: يجب أن تكون قابلاً للتّصنيف. لقد تغيَّر الزمن... الرديئون سيطروا على السّلطة". 

هكذا يصف الفيلسوف الكندي آلان دينو حالة النظام القيميّ الفكريّ الّذي يحكم عالم السّوق، وذلك في كتابه الأخير الّذي ناقش فيه قضيّة "الميديوقراطية".

دينو هو أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة "مونريال"، وصاحب العديد من المؤلّفات حول الملاذات الضريبية والصناعات المنجميّة و"الثورة التنويمية" (نسبة إلى التنويم المغناطيسي)، غير أنّ مصطلح "مديوقراطية" شغل الدوائر الفكريّة العالميّة، وخصوصاً تلك المناوئة لثقافة اقتصاد السوق النيوليبرالية، كما لم يفعل كتابٌ في السنتين الأخيرتين.

وإذا كنتُ قد حرصتُ على أن أورد التسمية معرّبة لا مترجمة، فلأن الترجمة قد تفقدها بعضاً من معانيها، حيث إنَّها كلمة مركّبة من جذرين لاتينيين هما "medio" و"cratia"، والأخير يعني السلطة. وعليه، فإننا نجده في مصطلحات كثيرة (مثل ديموقراطية = سلطة الناس (demo) أو تيوقراطية أو أوتوقراطية...). أما الجذر الأوَّل، فيعني حالة. 

جهد دينو، في حواراته الصّحافيّة بعد صدور الكتاب، في إيضاحها، لأنَّ اللغة الفرنسية لا تسعفه كثيراً في تحديدها. أما في العربية، فقد اعتدنا في درجاتنا المدرسيَّة تفسير الدّرجة الّتي تحمل هذا الاسم "mediocre" بما "دون الوسط". وعليه، فإنَّ الترجمة الدّقيقة هي "سلطة ما دون الوسط"، والمرادف الأقرب: "الرداءة". 

يوضح دينو في أحد حواراته: "يشير المتوسّط إلى تجريد - سنتحدَّث عن متوسّط الدخل، متوسّط المهارات، وما إلى ذلك - في حين أنَّ كلمة ميديوكريتي تعني حالة فعل. ورغم ذلك، فكتابي ليس كتاباً عن الرداءة، ولا مقالة أخلاقية، ولكنه محاولة لفهم توجّه.. ديناميكية اجتماعية تجبرنا على ألا ننتج إلا ما هو متوسّط أو دون. إنها الرداءة (médiocroté) التي ترتفع إلى مرتبة السّلطة (cratia). إنها تؤسّس لنظام لم يعد المعدّل الوسط فيه تقديراً مجرداً يسمح بتصوّر حالة الأشياء، بل معياراً ضرورياً يجب تجسيده والالتزام به. صحيح أننا، وبصدق، لا بدّ من أن نكون في يوم أو في آخر، في حالة أو في أخرى، متوسّطين أو رديئين في شيء ما، فنحن لا نستطيع أن نكون دائماً في أقصى حالات كفاءاتنا، ولكنَّ المشكلة هي في أن يتم إجبارنا على أن نكون متوسطين دائماً، وفي كلّ شيء".

وهو يعتبر أن تمكّن الرداءة من السّلطة بدأ منذ القرن التاسع عشر والاقتصاد الحرّ، مع تقسيم العمل وتوزيعه، مذ تحوَّلت المهنة – الحرفة القائمة على الإتقان والإبداع إلى مجرَّد وظيفة لكسب الرزق، وتحوَّل الإنسان إلى آلة عمل يمكن نقلها من أيّ مكان إلى آخر. 

"إنَّ الافتخار بعملٍ مبدعٍ متقنٍ يكاد يختفي"، يقول دينو. وهو لا يدّعي أنّه أوّل من تنبّه إلى هذا الخطر، إذ يعود إلى أنَّ مفكّرين، مثل ماركس وماكس ويبر وهانس ماغنوس إينزبيرجر أو لورنس بيتر - على اختلافهم - تحدَّثوا عن أنَّ "ما دون الوسط" يصبح مرجعاً لنظام كامل.

"نظام يتطلّب قبل كلّ شيء لعب اللعبة". العبارة التي تمثّل شعار المديوقراطية، والتي تبدو ظاهرياً عبارة بريئة، غير ضارة وصبيانية، لكن ما يكمن فيها هو معنى أكثر خطورة، فاللعبة، أولاً، مجموعة من القواعد غير المكتوبة والإجراءات المعتادة التي يتوجّب على من يريد الوصول إلى أهدافه أن يخضع لها، حتى ولو أنّها غير رسمية. 

وهذا ما يمرّ بشكل أساسيّ ببعض الطقوس غير الإلزامية، ولكنّها تمثل علاقة ولاء للهيكل، للشبكة، من مثل الجانب الآخر من الفعاليات الاجتماعية الذي يتحوّل إلى إلزام عنفيّ معنويّ: حفلات السهرات والغداء والسباقات والمباريات والمهرجانات والجوائز... وإلا، فإنَّ المرء يقتل معنوياً عقاباً على عدم الانتماء إلى الشّبكة، في سياقات تترك للأكثر قوة موقعاً تعسّفياً كبيراً. 

في النهاية، يولّد هذا، من دون أن نأخذ بالاً، مؤسَّسات ومنظّمات وإدارات فاسدة وأفراداً منصاعين بأقوى المعاني. وهكذا تكتسب المديوقراطية أرضيّتها، وتتجسَّد سلطتها، في رأي دينو، في مظاهر يركّز على ثلاثٍ منها مثالاً: الخبير، الجامعات، الحوكمة.

 ففي موضوع "الخبير"، يعود دينو إلى إدوارد سعيد ليتبنّى تمييزه بين الخبير والمثقّف: الخبير، في التكوين المعاصر، هو في كثير من الأحيان الشخص الذي يعمل بطريقة محدّدة (ضمن حدود)، ويرتدي هيئة العالم المحايد وغير المهتمّ للمصالح، في حين أنّه ممثل القوى التي توظّفه، ويعرف منطق المصالح. 

أما المفكّر، فهو على العكس من ذلك، ينكبّ على الإشكاليات لأنه يهتمّ بها، بذاتها، وباستقلاليّة لا يتحكّم بها أيّ صاحب سلطة.
لا يكتفي الخبير بأن يقدّم معرفته لمن يوظّفه، بحيث يمكّنه من كلّ الأدوات اللازمة لفرض مصالحه، بل إنه يحوّل ذلك إلى صيغة إيديولوجيًة، ويطرحها كمرجع موضوعي، كمعرفة.

وفي وفاءٍ لمدرسة الدراسات الثقافية الأوروبية، يركّز دينو على الجامعات، ويقرّر، بألم، أنَّ الطلاب لم يعودوا في الجامعة لمجرد اكتساب المعرفة، لما لها من أهمية، بل إنهم يتحوّلون، هم أنفسهم، إلى سلعة؛ سلعة تصنعها الجامعة وتبيعها للشركات الخاصّة والمؤسّسات الأخرى الَّتي تمولها، حتى وإن كانت تخفي ذلك، بدلاً من الجامعات الّتي تموّلها الدّولة لتكون مركز بحث وتطوير للمجتمع بأسره.

وهو يتوجّه إلى الطلاب طالباً منهم أن يطرحوا على أنفسهم سؤالاً حقيقياً: هل يريدون أن يصبحوا خبراء أو مثقّفين؟ إذا كانت الجامعة، المدعومة أكثر فأكثر من الشركات الخاصّة، لا تزال قادرة على جعل هذا الخيار ممكناً! لقد باتت الخبرة تشكّل أكثر فأكثر بيع عقلك إلى القوى الفاعلة التي تستفيد منه. 

أما "الحوكمة"، فهي، في رأي دينو، في أساس المديوقراطية، إذ إنَّ الأمر يتعلَّق بالصيغة السياسيّة للميديوقراطية. وهنا يعود إلى الثمانينيات واستيلاء تكنوقراط مارغريت ثاتشر على هيئة "الحوكمة"، التي تم تطويرها لأول مرة بناءً على نظرية الاستثمار الخاص التي تهدف إلى إخضاع الدولة لثقافة القطاع الخاص، تحت ستار الإدارة الأفضل للمؤسّسات العامة.

كان الأمر يعني تطبيق أساليب إدارة الشركات الخاصَّة على الدولة، على اعتبار أن هذه الأساليب أكثر فعالية. وهكذا اتخذت الإدارة والتسويق مكان الفكر السّياسيّ في نظام الحكومة. وبالتالي، انقلبت كلّ المفردات التقليدية: الحوكمة بدلاً من السياسة، المقبولية الاجتماعية بدلاً من الإرادة الشعبية، الشريك بدلاً من المواطن، الناشط بدلاً من المناضل...

إنَّه لأمر درامي، يقول دينو، في حديث ثقافيّ. بحرماننا من تراثنا السياسي المعجميّ، فإنّنا نحذف تدريجاً الأفكار والمبادئ الرئيسية التي سمحت لنا بتوجيه أنفسنا شعبياً ورسمياً. بهذا المعنى، فإنَّ مصطلح "الحوكمة" يمثّل حقبة تفضيل المفاهيم المفرغة من المعنى، والتي هي، في الغالب، اسم وصف حالة بكلمات كثيرة ومعقّدة، غالباً ما لا يفهمها الّذين يتداولونها.

إنَّ نزع القيمة عن السّياسة واستبعادها، يستبعد أيّ تفكير قائم على المبادئ، وأيّ رؤية عريضة ينظر من خلالها إلى الشّؤون العامة. هذا هو زحف الصّحراء الإدارية التي تكتفي بحلّ المشكلات (problem solving)، من خلال البحث عن حلٍّ فوريٍ وتقنيٍ للاستجابة لمشكلة فوريّة.

نحن نواجه عزلاً عن التفكير النقديّ، يصرخ دونو. إنه الجانب الآخر من المشكلة: لم نكن يوماً بحاجة أكثر إلى علماء الاجتماع والفلاسفة والأدباء لفكّ رموز هذه الظاهرة، فبمجرد أن يحبس اللاعبون في هذه الدوائر أنفسهم في عوالم شديدة الاختصاص، مبالغة التخصّص، بعيداً عن السياسة والفكر (تكنوقراط)، نجد أنفسنا محرومين اجتماعياً مما نحتاج إليه حقاً وبشدّة: الأبحاث والفكر المتحررين من قيود المبالغة في المهنية الحرفية، والإبداع والمواقف التي قد لا يقرها أحياناً منطق السّوق. 

سؤالنا الأخير: هل تساعدنا قراءة آلان دينو في فهم صراعاتنا في هذا الجزء من العالم؛ صراعات أصعبها ذاك الذي يواجه الميديوقراطية في الثقافة والسياسة والاقتصاد، وفي كلّ شيء. صراعات تكتسب أضعافاً من الأهمية عندما تكون هيمنة مفاهيم السوق عليك وسيلة لتمييع وعيك السياسيّ، وصولاً إلى إذلالك والقضاء على وجودك.




المصدر: الميادين

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net