Tahawolat
راج المثل الشعبي (المتشائم) على قول: "إسمع تَفْرَح، جرِّب تَحْزَن" الى أن وصل الى واحة معزولة عن باقي البشرية إسمها لبنان، فكان عنوان هذه المقالة.

أجنح الى هذه الرؤية السوداوية بعد متابعتي لإستجابة الطبقات الحاكمة (المُطْبِقة على أنفاسنا)، والتشريعية منها خاصّة، لمطالب الحراك الشعبي المطلبي والإنتفاضي في جزئه العفوي.

تُعيدني مشاهد الفعل وردود الفعل فيما بين الشارع و"مرتفعات" القرار الى نظرية "التفكير المزدوج" 
(Doublethink) للكاتب جورج أورويل (George Orwell, “1984”) يشرح فيها القدرة على إعتناق فكرتين متناقضتين معًا، وينجلي تطبيق هذه الظاهرة على حالنا في النظرة التفاؤلية المعزّزة بثقة مفرطة بالقدرات الذاتية بالتزامن مع اليأس من إمكانية النهوض المستقبلية.

إذن نحن في خضمّ هيستيريا جماعية ضدّ الآخر.  فالكلّ يعرف من وما هو ضدّه، والقِلّة يعرفون أو يحدّدون ماذا يريدون فيما عدا إسقاط المنظومة السياسية !  ويبدو أن الشعب والمنظومة السياسية يعبّران معًا عن رغائب ليست بمتناول إلّا أحلامهما. 
 
من "أهضم" ما سمعناه مؤخّرًا (وهو عسير على الهضم) ما صرّح به في بدايةً التظاهر جماعة مجلس النواب والحكومة بالقول: "ليس هكذا تُدار المظاهرات في الشارع والمطالبات الخ ..."  وجوابنا عليهم هو: هلّا تركتم النازلين الى الشارع على "فوْضاهم" واهتمّيتم أنتم بكيف "تُدار البلاد حكومةً ومؤسّسات ومصالح ناس"  أولًا ؟  وفي هذا السياق ربما أمكنكم الإشارة، ولو عرضًا، الى صاحب "الثلم الأعوج" !


في ما نخاله إستجابة (قسرية) لغضب الساحات، وفي محاولة لإستيلاد هيبة بدل عن ضائع، قرّر مجلس النواب عقد جلسة تشريعية راكم فيها كمًّا كبيرًا من مشاريع القوانين المتناقضة الأهداف والمرامي والأثمان.  ففيها العفو العام، وما أدراك من مخاوف العموم، المحقّة، من تمرير الجرائم المالية وسائر المخالفات وما إليها من خلاله.  ومن إقتراحات السادة النواب (غير السعيدين بلقب سعادة) مشاريع قوانين قد تلبّي بعض المطالب الشعبية، والتي كان يجب أن تكون في الدستور وقوانين تأسيس الدولة، وقبل ذلك كلّه في أخلاق المسؤول وفهمه للولاية العامة.  وتشتمل هذه على رفع الحصانات ورفع السرّية المصرفية ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة ومحاكمة المسؤولين على مراتبهم (غير المرتّبة) وإرتكاباتهم (المرتبكة) وعصورهم (في الحكم) وقصورهم (من قَصْر وتقصير معًا).  هذا بعد التنويه الى أن هناك كلام دائم عن إنهاء القوانين والمراسيم التطبيقية العالقة (أبدًا) مثال ضمان الشيخوخة والوصول الى المعلومات وما إليها من "معجزات العصر".  وقد ذهب البعض الى إقتراح محاكم خاصة أو إستثنائية للبت بهذه الجرائم بما اعتدنا أن تحمله هذه الإستثناءات من إمكانية تسويف المطلوب والضياع في المحاصصة على تعيين أعضائها على مدى أجيال.

هذا وكان المعنيّون قد أعلنوها بصراحة تامة: الشعب لا يثق بالحكومة والحكام.  والأفضح كان أنهم أكّدوا ذلك بالقول: لبنان منهوب، ولو كانوا مكان الشعب لما وثقوا بها (الحكومة) وبهم. 

ولكن أمام غضب الناس تمّ تأجيل جلسة الثلاثاء التشرينية التشريعية الأولى  والتي دستوريًّا ما تُخَصّص لإنتخاب مكتب المجلس ولجانه.  ومن ثمّ فعلى المجلس، دستوريًّا أيضًا وحصرًا وحكمًا، أن ينكبَّ (ليته يتوقّف عند هذه الكلمة ويفعل، مع الإعتذار سلفًا من بعض البرلمانيّين الجديرين بحق باللقب)، إذن ... عليه أن ينكبّ على دراسة ومناقشة وإقرار الموازنة العامة قبل كلّ شيء، ولا شيء غير ذلك.

على أي حال ...

لقد تصفّحت في عُجالة مفردات مقترح هذه القوانين، من دون التمعّن في التفاصيل، أولًا لأنها ليست من إختصاصي ولو كانت من إهتمامي، وثانيًا لأن الأمر كلّه لم يظهر لي جدّيًّا لا من باب المطروح ولا من جانب الطارحين ولا من حجج (الغايات) الأسباب الموجبة وبسبب أنها (حتمًا) لم تأتِ إلّا تحت الضغط الشعبي وليس طبيعيًّا وطوعيًّا، وأخيرًا، لأنّني غير مقتنع بأنّها سترى طريقها الى الإقرار كما يجب، ناهيكم عن التنفيذ الذي يتطلب المستحيل من الإجراءات ووضوح في الصلاحيات وفي مقدمها سلطة قضائية مستقلة.

ومن متابعتي لتفاصيل المقترح، والعياذ بالله، لا أعلم لماذا راودتني الطرفة الآتية وأتساءل ما علاقتها بالموضوع:                                                                                                                     رُوِيَ عن إكتشاف مُخْترِع لمادة لا مثيل لها في إبادة الحشرات فشاع صيت "بضاعته" في الأسواق.  ومن قراءة تعليمات إستعمال المبيد، وهو عبارة عن بودرة بيضاء اللون، "قاهر" كلّ أنواع الحشرات، الطائر منها والزاحف والمُرَفْرِف (وحتى دنيء النفس)، فما عليك إلّا: 1- الإمساك بالحشرة، 2- فتح فم الحشرة، 3- تنقيط غرام ونصف غرام من بودرة المبيد في فمها، 4- إغلاق فم الحشرة على المبيد لمدة سبع دقائق ونصف دقيقة فقط، والنتيجة مضمونة، لا محال ! (ملاحظة: لم يلحظ ماذا تغعل بالحشرة بعد ذلك، وهل تتركها حرّة طليقة ؟).

فعلًا ... لا أعلم لماذا أتذكر هذا الأمر كلما أسمع بالعلاجات المقترحة من المسؤولين !

وهل سمعتم عمّا يحصل عندما يعطي المنتهي مدّته شهادات عن المنتهية صلاحيته ؟  قد يكون من أربك المواقف، عندما تنتهي مدة الشيء ولم يلحظ النظام التأسيسي للشيء آلية لإنهائه !

                             أنا في طريقي، ما زلت، ساعيًا للخروج من العتمة.

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net