Tahawolat
باكرًا جدًّا، من السطور الثلاثة الأولى، تُباغتُكَ الكاتبة بشحنةٍ زائدة من رائحة المغامرة التي تستدرجُكَ إلى قَطْفها والتقاطها بجميع حواسك وأكثر. ثم تتتالى الرَّشفات التي تُصيبُكَ بلهاثٍ مُتسارع وأنتَ تركضُ خلف تلك العبارات المُزدحمة تُحاول تبيان صُوَرها المُعقّدة التي كلّما نجحتَ في إسقاط الستار عن إحداها وربط الألوان ببعضها، بانَ لكَ جمالٌ جديدُ الوصف.

     هما توأمان مُتنازعا المسار، يتنافسان على روحٍ واحدة وكتاب مذكّراتٍ واحد، دورُ بطولةٍ مُطلَقة عُرِضَ إجحافًا على إثنين فحكمَ عليهما بشدِّ الحبال المطّاطية حتى المشهد الأخير. إبنُ آدم وابنُ جنٍّ، أخٌ ووحيدٌ، مُهاجرٌ وغريبٌ في وطن، زوجٌ وعاشقٌ، ذكرٌ وإنسانٌ، دنيويٌّ وفنّان، رجا وجبران! حلمٌ واسعُ الآفاق يُسابقُ خيوط السحاب وسَطْوَة واقعٍ يفردُ ظلّه الضيّق قسرًا على تمرُّد الضباب! إنّها الإزدواجية المفروضة على بدايات الفنّانين التي تُحدِّد الحلقةُ الأقوى فيها إمكانيةَ اكتمال الهوية أو تُحتِّم بقاءَها ضمن دائرة الأنصاف المُغلَقة. هو ذلك الصراعُ بين ما يفرضه الواقعُ علينا وما يشدُّنا إليه الخيال، بين ما نحن مُلزَمون به وما نميلُ إليه بكلِّ تلقائية. هو الفرق بين مَن يتخلّى عن كلِّ شيء لتحقيق فنّه ومّن يخشى كلَّ شيء رغم فنّه.

    وتمتدُّ هذه الثنائية على التناقض الحاصل بين الزمن الدقيق للأحداث التاريخية في الرواية من جانبٍ والزمن المُتداخل المُشوَّش من جانبٍ آخر والذي يتمثّلُ في المقابلة التي تُجريها سلمى مع والدة رجا المُتوفّاة وعلى الحوار المُستَقطع الذي يدورُ بين 

رجا الحاضر وجبران الماضي في كنف المستقبل الذي يصبو إليه الفنان. وكأنَّ ذبذبات الخيال بتردُّداتها العالية شوَّشت على موجات الزمان والمكان فاختلطت الأبعادُ ببعضها مُوَلِّدةً جنونًا إضافيًّا!

   كما انعكست الثنائية في الرؤية الوَصْفية وتعدُّد الرُواة، جهينة من جهة ومحمود من الثانية، لروايةٍ واحدة، لشخصيةٍ واحدة من وجهتيْ نظر مختلفتيْن: سلمى من جهة وجمال من الثانية. سلمى عرفت رجا الفنان غير المُكتَمِل، العجوز الخائب على آخر الحلم وأتى جمال ليُكمِل قطع الأحجية المفقودة بما عرفه عن رجا الرجل المُندفع الضائع في بداية الحلم. وليست هذه المُفارقَة غريبة بل تأتي مُتوقّعة نظرًا إلى أنَّ عدسة المرأة حالمة أكثر تلتقطُ ما لا يُرى وعدسة الرجل مُدَوْزَنة على إيقاعٍ عمليٍّ أكثر يبوحُ بما تخجلُ هي به عن تفاصيل الزواريب الدُنيا اليومية وما يستحيلُ لها أن تُدركه عن رجلٍ يرى في كلِّ أنثى مشروع حبيبة مُحتَملة...

    تُطلق هذه الرواية سهمًا فيه الداء والدواء معًا. فإذا أتى باكرًا، فوَّت الهدف؛ وإذا تأخر، أردى رجا آخر برصاصة رحمة؛ أمّا إذا أصابَ في حينه، أحيا جبرانًا جديدًا... وأيًّا كان التوقيتُ، تنجحُ جهينة في إدخالنا إلى عالمها كما دخلت سلمى أمام قبر رجا إلى عالمه وشاركته جبرانه. وكأنَّ الحكايةَ هي إرثٌ مُتناقَلٌ ولكلِّ قارئٍ نصيبٌ محفوظٌ في الوصية، وكأنَّ لجبران توائمَ مُسْتَنْسَخة على عدد نُسَخ الكتاب المطبوعة حاضرةً، في أية لحظة، لتحويل رُعاة الأرض إلى مشاريع مَسكونة بهواجس الأفكار!

    ولا تتوقّف جهينة عند حدود الميتافيزياء وحسب، بل تؤسِّسُ لعلوم جديدة، فتُعرِّفنا على " وحدة قياس الفرح " وتُشاركنا سرًّا طُبيًّا كاشفةً لنا عن " جينة الفن " كما تُطيحُ بالمُحرَّمات فتُبشِّرُ بإلهٍ جديدٍ هو الإبداع، وشريعته الوحيدة عدمُ الأشراك!

   " واو الدهشة "، روايةٌ مجبولةٌ من تراب الأصالة، الممزوج بدماء القضية وديدان التقاليد وحصى الواقع، المَرهون إلى مصارف الخوف والمضغوط في محار الإبداع! إنّها روايةٌ تستحقُّ عليها جهينة العوام أسرابًا من الواوات العاليةِ النّغمات!

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net