Tahawolat

أضافت أزمة تلفزيون المستقبل أثقالا جديدة على قطاع الإعلام في لبنان، والذي يعاني في السنوات الأخيرة من ركود وتراجع، الأمر الذي أدّى إلى إقفال منابر إعلامية عريقة في البلد.

وأعلن موظفو تلفزيون المستقبل الذي يملكه رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إضرابا مفتوحا احتجاجا على عدم صرف مستحقاتهم المالية المتراكمة منذ أكثر من عام. وأدّى هذا الإضراب إلى غياب نشرات الأخبار نهائيا عن الشاشة، فيما تفيد الأنباء عن سيناريوهات سوداوية قد تؤدي إلى إقفال المحطة نهائيا.

وتأتي أزمة تلفزيون المستقبل بعد سلسلة ضربات أصابت قطاع الإعلام وأدّت إلى تنفيذ خطط لإعادة الهيكلة طالت عدة مؤسسات إعلامية، وطالت أيضا صحيفة المستقبل المملوكة للحريري أيضا والتي تحوّلت إلى موقع إلكتروني باسم “المستقبل ويب”.

وأدّت هذه الأزمة قبل ذلك إلى إقفال صحيفة السفير التي يملكها طلال سلمان، وإقفال مؤسسة الصياد التي تُصدر صحيفة الأنوار، ومجموعة من المجلات المتخصصة والتي أسسها الصحافي الراحل سعيد فريحة.

وتسبّب الأزمة التي ظهرت بشكل جليّ وأطاحت ببعض الصحف والمؤسسات الإعلامية قلقا شديدا لدى قطاع الإعلام في لبنان لاسيما أولئك الذين يعملون به. ويخشى الإعلاميون من تردي مهنة الصحافة وتراجع معاييرها على نحو قد يطيح بالصحافة اللبنانية التي شكّلت مدرسة من مدارس الصحافة العربية في العقود الأخيرة.

وأصدر مجلس نقابة المحررين، الأربعاء، بيانا سجل في خلاله “أسفه الشديد للتراجع الكبير في هذا القطاع بعد توقف العديد من المؤسسات، واحتجاب قسري لمطبوعات كانت تشكّل مصدر رزق رئيسي للمئات من العائلات. وما زاد في أسفها وسخطها، هو عدم استجابة المسؤولين لاقتراحاتها الرامية إلى إنقاذ هذا القطاع الحيوي الذي كان له الدور البارز في تشكيل العصر الذهبي للبنان منذ أواخر ثلاثينات القرن الماضي حتى منتصف السبعينات، وكان مظهرا من مظاهر ازدهاره وتطوّره”.

ويرى متخصصون في شؤون الإعلام اللبناني أن قطاع الإعلام متضخم ولا يتسق مع متطلبات السوق وحاجاتها، وأن السوق اللبناني لا يمكنه لوحده أن يؤمّن موارد مالية كافية لمؤسسات الإعلام في لبنان. وأضاف هؤلاء أن المال السياسي الذي لطالما وقف وراء رواج الإعلام اللبناني هو في حالة شح وتراجع، وأن على الإعلام أن يتموضع وفق شروط السوق بشكل مستقلّ تماما عن السلطة السياسية ومزاجية دعمها المالي.

ويقول مراقبون إن هذا الأفول للإعلام المطبوع والمترجم بوجود 113 امتيازا لإصدار مطبوعة سياسية منذ 1953 وحتى اليوم، لا تصدر منها سوى ثماني صحف، لا يسمع الناس بمعظمها، لا يهدد حرية التعبير فقط، ومعه دور الصحافة الورقية في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وطرح قضايا الناس في لبنان، بل يترك ذيوله أيضا على حياة الآلاف من العاملين في قطاع الإعلام. وأشار تقرير مجلس نقابة المحررين في لبنان إلى أزمة تلفزيون المستقبل، محذرا من خطورة هذا التطور على قطاع الإعلام برمته.

ودعا البيان إلى اعتصام لكل العاملين في قطاع الصحافة والإعلام الثلاثاء 21 من الشهر الحالي “انتصارا للمهنة، وإدانة التقصير الرسمي حيال هذا القطاع، وعدم القيام بأيّ خطوة جادّة لإنقاذه، وتوفير فرص إعادة هيكلته من خلال تقديم الدعم المادي، والمباشرة بوضع قوانين تستجيب لأمنيات وتطلعات العاملين فيه، والأخذ باقتراحات النقابة الإصلاحية وما تتطلبه من تعديلات قانونية.

ودعت مراجع إعلامية في لبنان إلى تدخل الحكومة اللبنانية ووزارة الإعلام لدعم القطاع الإعلامي في لبنان والدفاع عنه بصفته واحدا من الميزات التي لطالما تمتع بها البلد. وقالت هذه المراجع إن الدولة الفرنسية تدفع نحو 700 مليون يورو سنوياً لدعم الصحافة مباشرة وبشكل غير مباشر. وأنه في العام 2013 تلقت مطبوعة لوفيغارو 18.2 مليون يورو كدعم من الدولة الفرنسية، في مقابل 18.6 مليون نالتها لوموند.

وأضافت المراجع أن الحديث يدور هنا عن صحف رائدة في فرنسا لا يمكن مقارنة إمكانياتها المادية والبشرية بما تفتقر إليه صحف لبنان. ورغم ذلك عجزت الحكومة اللبنانية عن تأمين نحو 10 مليون دولار هي مجمل تكلفة الدعم المباشر وغير المباشر المتأتي عن مبادرة دعم الإعلام المكتوب.

وكان وزير الإعلام السابق في حكومة تمام سلام رمزي جريج قد قدّم مبادرة تركزت على تخصيص الصحف الصادرة فعلياً بمبلغ 500 ليرة لبنانية عن كل عدد مباع، مصحوب بوضع آلية لمراقبة المبيعات وصحة أرقامها، تأمين قروض طويلة الأجل للصحف يتبناها مصرف لبنان، اتخاذ سلسلة إجراءات وحوافز أخرى لمساعدة المؤسسات الصحافية كإعادة جدولة ديونها لدى المصارف وإعفائها من الرسوم على ما تستورده من احتياجات لمطبوعاتها، ومن ثم السعي إلى إنشاء صندوق وطني لدعم الصحافة بشكل مؤسسة عامة ذات شخصية معنوية مستقلة ماليا وإدارياً،على أن يتولّى مجلس الوزراء تأمين الدعم من الموازنة بانتظار إقرار الصندوق.

ويعدّ تحرك نقابة المحررين بمثابة اعتراف بأن الأزمة لم تعد خاصة ترتبط بهذه المؤسسة أو تلك، بل إنها باتت أزمة شاملة سيؤدي غياب العلاجات لها إلى كارثة عامة تطال الإعلام والإعلاميين. ويشكّل التحرك التحذيري الذي تدعو إليه النقابة حراكا عاما يفترض أن يشارك فيه كافة العاملين في قطاع الإعلام، للتضامن مع زملائهم الذين يعانون من المؤسسات المتعثرة أو تلك الآيلة إلى الإقفال التام.

وأشار بيان النقابة إلى أن الاعتصام هو مقدمة لتحرك أوسع مستقبلا يشمل الإضراب التحذيري، ودعا إلى التضامن التام والمطلق مع الزميلات والزملاء في تلفزيون المستقبل، ووضع كل إمكانات النقابة ومكتبها القانوني على ذمة تصرفهم نصرة لحقوقهم. وتبنّى وزير الإعلام السابق ملحم الرياشي مبادرة سلفه جريج ببنودها كافة، موسعا في الإعفاءات ومفصلا في وسائل الدعم، لكنّه خصص مساحة كبيرة من مشاريع القوانين لدعم أهل المهنة.

ومن بين هذه البنود، “رفع تكلفة الإعلانات الرسمية في الصحف إلى 11 ألف ليرة على السطر، وتحديده بست كلمات، (كانت قبلاً نحو ثلاثة آلاف ليرة)، إعفاء الصحف من الضريبة على القيمة المضافة على مستورداتها وما تستخدمه في عملية الطباعة والإنتاج، وكذلك من ضريبة الدخل والقيمة التأجيرية للإعلاميين ووسائل الإعلام، والرسم البلدي على الأملاك، وعلى تنفيذ الأعمال والمشاريع وعلى المجارير والأرصفة، والرسم على الإفادات والبيانات وغيرها.

وتشمل أيضا هذه الإعفاءات الإعلاميين والصحافيين في محاولة لتحرير هؤلاء من بعض الأعباء لتخليصهم من التبعية أو هشاشة الأوضاع. غير أن رياشي يعترف بأن لوبيات السلطة حالت دون إقرار مشروعه الذي “بقي في الأدراج”.

المصدر: العرب اللندنية

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net