Tahawolat
«مهرجان البستان»... عنوان عريق للموسيقى الكلاسيكية الغربية في لبنان والوطن العربي بدون شك.

إنه نشاط متخصّص، عمره أكثر من ربع قرن، مرّ عبره نجوم هذا النمط العالميين بين مكرّسين وصاعدين بلغوا اليوم مرتبة الصف الأول. لكنَّ النظرة إليه اليوم اختلفت عن السابق وبات لزاماً عليه تغيير سياسته التنظيمية إذا أراد الاستمرار وتأمين حضور قوي واستثنائي على خارطة التظاهرات الفنية عموماً، والموسيقية الكلاسيكية خصوصاً. فما كان يصلح قبل عشرين سنة ما عاد صالحاً اليوم. هذا المساء، تنطلق دورته لشتاء 2019 التي تمتد على خمسة أسابيع، والعنوان هذه السنة: إيطاليا.


بدايةً، يفرض الواجب المهني والإنساني تقديم العزاء للجنة المنظّمة لـ«البستان» بفقدانها بالأمس القريب أحد أعضائها، الزميلة المخضرمة مي منسى، التي بدا عليها التعب قبل أسابيع في المؤتمر الصحافي الذي كُشِف خلاله عن البرنامج الفني للدورة الحالية (26). يومها، قالت كلمات قليلة عن الفن والموسيقى ودعت كعادتها زملاءها الصحافيين إلى حثّ الناس على حضور الأمسيات المرتقبة. أمسياتٌ كانت بالتأكيد تودّ حضورها وتغطيتها على طريقتها المعهودة، التشجيعية غالباً والشغوفة دوماً.


إذاً، وككل سنة، يختار منظّمو «البستان» عنواناً عريضاً، يوجِّههم في وضع البرنامج ومحورة الأمسيات حول موضوع محدد. السنة الماضية، كما تعرفون، احتل المؤلف الألماني باخ الدورة بكاملها. إنها الذروة التي لمسها الجمهور وأدركها المنظمون. بعد باخ، لناحية التأليف لا لناحية الأداء، التراجع حتمي، حتى لو حُشِد مقابل هذا الرجل بلدٌ كاملٌ شديد العراقة وغني تاريخياً بمؤلفيه وتيّاراته وموسيقييه، مثل إيطاليا.

المقارنة مع باخ ظالمة بحق حقبات وقارات وبلدان ومؤلفين. فالملك خارج المنافسة على حلبة الصراع في مجال الموسيقى. العنوان الذي يظلّل دورة «البستان» الحالية هو عبارة موسيقية عالمية، إيطالية المصدر (كمعظم المصطلحات الموسيقية، في النظريات الموسيقية كما في الأشكال والفئات، بالأخص في الموسيقى الكلاسيكية)، وهي «كريشندو»، وتعني تزخيم العزف تصاعدياً. الدلالة هنا واضحة تحمل بعدَين: الأول، هو تمحوُر الدورة حول إيطاليا. الثاني، هو التطور التصاعدي للأمسيات، وصولاً إلى الختام الكبير، ولو أن مسار المواعيد لا يتبع بالضرورة هذا التصاعد في مستوى المواعيد أو الأسماء المشارِكة.


إيطاليا هي بلد الريادة في الموسيقى الأوروبية. في عصر النهضة كان لها مساهمة كبيرة وكذلك في عصر الباروك. في الحقبة الكلاسيكية، تراجعت كثيراً تحت طيف الجرمانيين، قبل أن تستعيد مجدها في القرن التاسع عشر (من باب الأوبرا بشكل شبه حصري)، وتقدِّم الأسماء الكبيرة في مجال الأداء خلال القرن الماضي، قبل أن تعود لتتراجع على مستوى التأليف والأداء في العقود الأخيرة. هذا ما دفع ريكاردو موتّي، أحد أكبر قادة الأوركسترا فيها اليوم، إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من التفريط بتاريخ وطنه الثقافي، خلال أمسية أوبرالية في روما عام 2011، إذ كان وجه إيطاليا مشرقاً على كل الأصعدة (ولائحة الأسماء، من رسامين ونحاتين ومؤلفين وأدباء تعرفونها) وبات واجهتها رئيس وزرائها آنذاك، اليميني الشعبوي (قبل ترامب بسنوات) برلوسكوني، الذي نسف صورة إيطاليا العريقة بحركاته المقززة وسلوكه الرخيص وعهره السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كانت تلك من المرات النادرة التي يتكلّم فيها قائد أوركسترا مع الجمهور.

قال موتّي (باختصار): «أنا إيطالي، وعندما أسافر أخجل مما يحصل في إيطاليا، بلدي الجميل الضائع (تلميحاً لأحد المقاطع المغناة من أوبرا «نابوكّو» التي كان قد أنهى قيادتها)، وإن استمرّينا على هذا المنوال، سنخسر ثقافةً يرسو عليها تاريخ إيطاليا التي ستغدو فعلاً حينها بلداً جميلاً وضائعاً» .



ففي الواقع، خسرت إيطاليا جوليني وسينوبولي وأبادو في قيادة الأوركسترا، وقبلهم العتيق توسكانيني وسيرافين ودي ساباتا وغيرهم، ولديها اليوم، إلى جانب موتّي، ريكاردو شايي وقلّة غيره. في مجال البيانو خسرت ميكيلانجيلي وتشيكوليني، وبقي بولّيني «وحده» في الميدان. الكمان (الفيولون) لواؤه محمول من كارمينيولا وبيوندي وأكاردو. لكن لغاية الآن، لا شيء يوحي بأن سيكون لهم ورثة، لا كماً ونوعاً.

طبعاً ليس المدير الفني لـ«البستان» المايسترو جيانلوقا مارتشيرتو، الممتاز محلياً، الجيد عموماً، والمتواضع مقارنة بالأسماء المذكورة آنفاً، من سيعيد لإيطاليا مجدها، مع احترامنا الشديد لشخصه ولجهوده.

إذاً، من مونتيفيردي المولود عام 1567 حتى ماسكانيي الراحل عام 1945، يغطي «البستان» نحو أربعة قرون من الموسيقى الإيطالية، التي تقوم على محورين أساسيَّين هما الغناء وآلة الكمان، وهذا الجانب طاغٍ بطبيعة الحال على الدورة. الحضور الأكبر لناحية التأليف هو لفيفالدي (محاضرة، ريسيتال غنائي والفصول الأربعة)، مونتيفيردي، برغوليزي (الـ«ستابات ماتر»)، باغانيني (كونشرتوهات الكمان الستة، على ليلتَين)، فيردي (ريسيتال غنائي وأوبرا «لا ترافياتا»)، وكذلك بيلّيني ودونيزيتي وروسيني (مقتطفات من أعمالهم الأوبرالية). تضاف إلى ذلك أمسية خاصة بموسيقى الأفلام للأسماء الإيطالية المعروفة في هذا المجال (نينو روتّا، إينيو موريكونيه،…) وأمسية باليه (للفرقة التابعة لمسرح «لا سكالا» العريق) وريسيتال بيانو منفرد وحيد، للجورجية التي تعود للمرة الثالثة إلى «البستان»، السوبر ستار كاتيا بونياتشفيلي.

لا أسماء فائقة النجومية هذه السنة، باستثناء بونياتشفيلي، لكن ثمة نجوم على طريق الشهرة وآخرون ذوو مستوى عالمي، مثل التينوران خافيير كامارينا وجوزيف كاليا، وعازفة البيانو فانيسّا بينيلّي موزل (أمسية مع أوركسترا)، وفرقة «أكاديميا بيزنطينا» التي شاركت في الدورة الماضية، وعازفا الكمان سيرغي كريلوف وآنّا تيفو (اللذان سبق أيضاً أن دُعيا إلى «البستان»).


لنعُد إلى المقدّمة ونختم بكلمة حول ضرورة تغيير السياسة التنظيمية لـ«البستان». في السابق، كان هذا المهرجان وحده في الميدان، وشكّل قبلة محبي هذا النوع من الموسيقى. أمّا اليوم، مع وجود «بيروت ترنّم» (الذي يتطوّر بشكل ملفت) و«موسم موسيقى الحُجرة» (الذي أطلقته «الجامعة الأنطونية») والأمسيات التي ينظمها الكونسرفتوار والجامعات الخاصة، والتي يجمع بينها جميعها أنّها مجّانية الدخول، بات على «البستان» (الذي يطرح أسعار بطاقات مرتفعة نسبياً) تقليص عدد أمسياته إلى النصف، ودعوة أسماء تستحق أن يدفع ثمن بطاقة مرتفع لأجلها. هذا يسهّل الأمور تنظيمياً ولوجستياً ويوفّر المال من مكان (أسماء كثيرة، وبطاقات سفر وإقامة ونقل وتأمين، إلخ…) ليُستثمَر في مكان آخر (دعوة نجوم الصف الأول)، ما يجعله خارج أي منافسة ويخفف الأضرار الجانبية في التنظيم وعلى شباك التذاكر ويضعه في مرتبة عالمية، ويشفي غليل من يتوق لحضور أمسيات الكبار وليس بمقدوره ملاحقتهم خارج الحدود.


* «مهرجان البستان الدولي»: بدءاً من اليوم حتى 17 آذار (مارس) ــــــــ أماكن عدة في بيروت و«فندق البستان» (أوديتوريوم إميل بستاني) ـــــ للاستعلام: 04/972980


المصدر: الأخبار


آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net