Tahawolat
كوميديا السنوات الأخيرة في مصر تستند إلى الفانتازيا والخيال العلمي للتمرد على الواقع الراهن والسخرية من عبثيته، ويأتي الفيلم المصري الجديد "قلب أمه" الذي بدأ عرضه مع عيد الفطر في إطار هذه الموجة الجديدة.

أسهمت الأفكار الكوميدية الجديدة في إحداث حالة حراك في المشهد السينمائي والدراما التلفزيونية، وتنطلق عادة من منصة الفانتازيا والخيال العلمي بهدف تجاوز الحياة التقليدية والواقع الخانق والسخرية من الأوضاع العبثية السائدة.

ويعد فيلم “قلب أمه” أحدث الأعمال الكوميدية الخيالية، وهو من بطولة شيكو وهشام ماجد اللذين شاركا مع رفيقهما أحمد فهمي في تأصيل هذا اللون الجديد منذ نجاح فيلمهم “سمير وشهير وبهير” عام 2010.

وفي إطار سيطرة الكوميديا على أغلبية الأعمال السينمائية والتلفزيونية المنتجة حديثا في مصر، بوصفها الأكثر رواجا والأسهل إنتاجا بنفقات أقل لاعتمادها على “كبسولات الضحك اللفظية” أكثر من بقية عناصر العملية الفنية، ارتبط نمط من هذه الكوميديا بالطرح غير التقليدي، الذي يقوم على إيجاد فكرة مخالفة للمألوف، يتم الاستغراق في تفاصيلها وتداعياتها إلى أبعد مدى، بكل الإمكانات المتاحة. ومن خلال المفارقات والتناقضات المتوالدة بين الواقع والخيال، تنجم المواقف الكوميدية التي يكون بعضها خاضعا لسيناريو محكم، والتزام فني، في حين يخضع بعضها الآخر للارتجال وخفة ظل الممثلين.

ويعد مسلسل “ربع رومي” الذي عرض في رمضان، وإثره فيلم “قلب أمه”، أحدث هذه الأعمال التي تجسد سخرية الشباب من الحياة الضيقة والواقع العبثي عبر الارتكاز على الفانتازيا والخيال العلمي في رسم ملامح الكوميديا الجديدة، وهما تتويج لسلسلة أعمال سابقة في هذا الإطار خلال الفترة الماضية، منها مسلسل “الرجل العناب”، وأفلام “كلب بلدي” و”حسن وبقلظ” و”الحرب العالمية الثالثة” و”بنات العم”، بالإضافة إلى فيلم “سمير وشهير وبهير” منذ ثماني سنوات.

وتنبني الفانتازيا على تناول الواقع الحياتي وفق رؤية غير دارجة، بما يعني التشكك في عالم الرواية، إن كان ينتمي إلى الواقع أو يرفضه، وفي الوقت نفسه تتم المعالجة بمعزل عن المألوف في الواقع، مع إفساح المجال للسحر والأمور الخارقة للطبيعة كعناصر أساسية للحبكة والفكرة الرئيسية.

وجاء مسلسل “ربع رومي” منسجما مع هذه الرؤى، وحقّق نجاحا كبيرا عبر الفضائيات واليوتيوب، وهو من ﺗﺄﻟﻴﻒ تامر إبراهيم ومصطفى عمر، وﺇﺧﺮاﺝ معتز التوني، وبطولة مصطفى خاطر ومحمد سلام وهالة فاخر وبيومي فؤاد.

“اللعنة” هي المحور الفانتازي السحري في مسلسل “ربع رومي”، وتدور الأحداث في إطار كوميدي حول شقيقين يسعيان إلى تحقيق النجاح في عملهما، أحدهما ممثل، والآخر محام، ويعمل والدهما في هيئة الآثار، وعندما يقرّر الأب سرقة كنز من إحدى المقابر تصيبه لعنة الفراعنة، فيتحوّل أكثر من مرة إلى فأر وسلحفاة وخروف وإوزة وأسد، ومع كل حالة من هذه الحالات تتفجر مواقف كوميدية تتسع للقفشات والإفيهات الباسمة، وتنتهي الأسطورة بارتداده إنسانا.

وفي ماراثون أفلام عيد الفطر، انطلق الفيلم الكوميدي “قلب أمه”، الذي يدور بالكامل في أجواء الفانتازيا والخيال العلمي، وهو من تأليف تامر إبراهيم ومحمد محمدي، وسيناريو وحوار أحمد محيي، وﺇﺧﺮاﺝ عمرو صلاح، وبطولة هشام ماجد وشيكو ودلال عبدالعزيز وكريم فهمي.

وتقوم فكرة الفيلم على فرضية سطحية تناولتها بعض الأعمال القديمة، هي أن إحساس الإنسان يتغير إذا تم نقل قلب شخص آخر إليه، فتصير له مشاعر الشخص الآخر صاحب القلب الأصلي، وعلى الرغم من أنها فرضية خاطئة، فإن الفيلم يقدّمها ليس في إطار الحقيقة العلمية، إنما في سياق الخيال العلمي والأحداث الفانتازية الطريفة.

القلب الذي تم نقله، في الفيلم، يخص والدة الشاب يونس (مؤلف أفلام الرعب الفاشل)، وتم نقله إلى زعيم عصابة والمسمى على سبيل السخرية “دولة تختوخ”، لما يتمتع به من قسوة وشراسة، لكن هذا المجرم، بعد نقل القلب الأنثوي إليه، يتعامل مع الشاب يونس كما لو أنه والدته التي أخذ قلبها، ومن خلال هذه المفارقة تتسع مساحة الكوميديا وتصير تداعياتها المتلاحقة هدفا بحد ذاتها.

السمة الأساسية لأغلبية الأعمال الكوميدية التي تقوم على الفانتازيا، أن تفجير الضحك يتم من خلال الاستغراق في التفاصيل والتفريعات الناجمة عن الفكرة الأساسية، فزعيم العصابة الذي يحمل قلب امرأة يتعرض للعشرات من المواقف التي تستدعي الجرأة والرجولة، لكن قلبه يقوده إلى تصرفات وسلوكيات غريبة مثل التي كانت تفعلها الأم صاحبة القلب حال وجودها في المطبخ أو عندما كانت ترتّب بيتها.

هذه التفاصيل الكثيرة -وبلوغ أقصى ما تتحمله الفكرة الغرائبية من مفارقات- هي السمة التي تجلت في الأعمال الكوميدية السابقة، التي تأسست على الخيال العلمي، ومنها مسلسل “الرجل العناب”، من تأليف وبطولة أحمد فهمي وهشام ماجد وشيكو، وسيناريو وحوار ولاء الشريف، وإخراج شادي علي، وعُرض قبل خمسة أعوام.

وتدور أحداث “الرجل العناب” حول مطرب شعبي مغمور يتعرّض لحادث اصطدام بسيارة يقودها مخترع شاب، ويصطحبه معه إلى منزله كي يسعفه، وعندما يحضر له محلولا من اختراعه لينقذه ويمنحه القوة يتحوّل المطرب إلى إنسان يستطيع الطيران والقيام بأفعال خارقة، وتسعى الشرطة إلى محاولة توظيفه.

وفي إطار أشمل من الحبكة الدرامية المتناسقة، والمزج بين الفانتازيا والمغامرات، جاء فيلم “الحرب العالمية الثالثة” عام 2014، للمخرج أحمد الجندي، وسيناريو وحوار مصطفى صقر، وتأليف وبطولة الثالوث ذاته أحمد فهمي وشيكو وهشام ماجد.

وإذا كانت الكوميديا هي كلمة السر في انتعاش الفن المصري منذ ظهور جيل التسعينات من القرن الماضي (محمد هنيدي، أشرف عبدالباقي، علاء ولي الدين)، فإن الفانتازيا هي كلمة السر لإنعاش الكوميديا لدى الجيل الجديد من الشباب حاليا.



المصدر: العرب اللندنية

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net