Tahawolat
فيلم "الرجل الذي قتل دون كيشوت" ختام كان السينمائي، لمخرجه البريطاني تيري غيليام، الذي أشار في بداية عرضه إلى أن المدة التي استغرقها إنجاز العمل ربع قرن.

بعد 25 سنة من المحاولات المتعثرة استطاع المخرج تيري غيليام صاحب “برازيل”، “الملك الصياد” و”12 قردا” أن يكمل تصوير فيلمه “الرجل الذي قتل دون كيشوت” The Man Who Killed Don Quixote وأن يأتي به للعرض في ختام مهرجان كان، رغم المشاكل القضائية التي يواجهها من قبل المنتج السابق البرتغالي للفيلم الذي يُطالب غيليام بدفع أربعة ملايين يورو على سبيل التعويض بدعوى إخلاله بشروط عقده معه، ولجوئه إلى غيره من المنتجين بينما يمتلك المنتج السابق، حسب قوله، حقوق الفيلم.

كان غيليام محقا دون شك في البحث عمن يمكنهم إخراج الفيلم من عثرته التي طالت بسبب المماطلة والتسويف والرغبة في فرض أشياء محددة، وقد أحسن مهرجان “كان” صنعا بالمضي قدما في عرض الفيلم، رغم الدعوى القضائية المستعجلة التي أقامها المنتج البرتغالي في باريس ضد المهرجان وخسرها واستمر في تهديداته، وقد أضيفت إلى بداية الفيلم لوحة تقول إن عرضه في المهرجان لا يقوّض حق المنتج البرتغالي في اللجوء للقضاء.

لكن النتيجة التي ظهرت على الشاشة أمامنا بعد أكثر من ساعتين، جاءت مخيبة للآمال، وكان هذا الفيلم الثاني الذي يشهد مغادرة قاعة العرض المخصصة للنقاد والصحافيين أكبر عدد منهم بعد فيلم المخرج الدنماركي المشاغب لارس فون تريير “المنزل الذي بناه جاك”، وإن كان هناك ما يمكن الاستمتاع به -سينمائيا- في فيلم فون تريير، في حين تغيب المتعة عن فيلم تيري غيليام المتعثر المرتبك.

للوهلة الأولى سوف يتصوّر المرء أن الفيلم يقدم معالجة جديدة لقصة دون كيشوت لثرفانتيس، ولو بشكل متحرّر قد يصل إلى أقصى درجات السريالية كما اعتدنا في أفلام تيري غيليام السابقة، وأفضلها في رأيي الشخصي، “مغامرات البارون مونكهاوزن” (1988).

لكنك سرعان ما ستكتشف أن الفيلم ليس عن دون كيشوت، بل عن ممثل تقمص دور دون كيشوت إلى أن صدق نفسه وجن جنونه، هذا الممثل الهاوي أصله صانع أحذية ريفي فقير عثر عليه مخرج أميركي محبط لا يمكنه تحقيق أحلامه الفنية، فيلجأ إلى إخراج الإعلانات التلفزيونية عن الفودكا وأشياء أخرى، لكنه يكتشف فجأة فيلما قصيرا أخرجه وهو يدرس السينما عن دون كيشوت، فيقرّر عمل فيلم طويل امتدادا له يذهب لتصويره في المواقع الحقيقية التي شهدتها أحداث الرواية الملحمية في إسبانيا.

وهذا هو “توبي” (آدم درايفر) الذي يسند إلى صانع الأحذية العجوز دور دون كيشوت في الفيلم الذي يعتزم تصويره، فيتقمص الشخصية ويتخيل نفسه فارسا مغوارا من فرسان العصور الوسطى، يخوض المغامرات التي لم يعد لها وجود في عالمنا، ويصبح وكأنه يعيش في الماضي معتقدا بإصرار أن توبي ليس سوى تابعه الأمين “سانشو”.

إلاّ أن سياق السرد في الفيلم لا يسير بحيث يمكنك أن تفهم منه شيئا أو تستخرج فكرة إنسانية أو فلسفية جديدة، هناك بعض الإشارات إلى المفارقة الكامنة بين الخيال القديم والواقع اليوم الذي تغلب عليه المادة والتدهور، ولكن حتى هذه الفكرة غير واضحة تماما في سياق الفيلم، وهناك تصوير كاريكاتوري هزلي في مجال نقد مشاكل الإنتاج السينمائي في أوروبا اليوم مع سخرية فجة من المنتجين السينمائيين، وكأن غيليام يوجه انتقاده الشخصي إليهم، ولكن دون حس كوميدي حقيقي.

ولا يحرص غيليام على التحكم في سياق السرد، بحيث يجعلك تتمكن من متابعة شخصية الممثل المتقمص لدور دون كيشوت، في جنونها وعالمها الذي يبدو كعالم الأحلام، بل يعود الفيلم دائما إلى الغمز على شخصية تيري غيليام نفسه وحيرته وتخبطه وعجزه عن استكمال مشروعه من خلال شخصية المخرج توبي.

يحاول توبي أولا إغواء زوجة المنتج “سارة”، ثم يقع في غرام “أنجليكا” الجميلة ابنة صاحب الحانة في القرية التي بدأ التصوير فيها، ثم يهرب مع بطله لينطلق في ربوع إسبانيا، لكن الممثل الذي يلعب الدور وهو بالغ الضعف وبدت عليه علامات الشيخوخة، يرتدي ملابس القرون الوسطى ويتسلح بسيفه ويركب حصانا، ويدخل في مغامرات عنيفة وتحديات يخرج منها سليما بمعجزة ما.

وفي ما بعد يجد توبي وبطله أنفسهما داخل قلعة أسطورية في الجبل، حيث يقيم ملياردير روسي حفلا باذخا بملابس القرون الوسطى، يحضره منتج فيلم توبي وزوجته التي تحاول مجددا إغواء توبي، لكنه يكون قد تعلق بحب أنجليكا التي أصبحت “محظية” لدى الملياردير الروسي بعد أن عرفنا من والدها من قبل أنها فرت من قريتها وذهبت إلى مدريد حيث أصبحت عاهرة محترفة، وقد أصبحت الآن -وفجأة- تخضع بالكامل للسيد الروسي الذي اشتراها.

لكن توبي سيقوم بتحريرها من العبودية، أما دون كيشوت أو صانع الأحذية المسكين، فيواصل العيش داخل أحلامه المجنونة متصورا أن أنجيليكا هي دولثينا التي أحبها في شبابه، يبارز طواحين الهواء التي يتصوّر أنها عمالقة تريد الفتك بها، يريد أن يثبت لها أنه يتمتع بالفروسية والشجاعة، لكن حماقته ورفضه الانصياع للواقع، يؤديان إلى موته. ويكون السبب في موته، من دون قصد، رفيقه مانشو أو توبي.

هذا الخليط العجيب الذي يدور في أجواء تقع بين الحلم والحقيقة والخيال على صعيد الكوميديا في سياق مفكك مرتبك، ومواقف وتعليقات ثقيلة الظل، لا ينجح في انتزاع ضحكاتنا، فطريقة الأداء عند كلا الممثلين الرئيسيين: جوناثان برايس وآدم درايفر، مفتعلة ذات طابع مسرحي خطابي، كما تفسد كثرة الحوار والانتقالات غير المفهومة الحبكة، ولا تتمكن الديكورات الباهظة والملابس والحيل السينمائية من إنقاذ الفيلم من السقوط في التكرار والمبالغات مع ضعف الأداء الكاريكاتوري.

والنتيجة أن تيري غيليام لا يتمكن من تجاوز “البارون مونكهاوزن” الذي كان يتمتع بخيال خصب بديع وحبكة محكمة، وشخصيات إنسانية لديها هدف واضح وفلسفة في الحياة. فما الذي يرمي إليه دون كيشوت في طبعته المتعثرة هذه على أي حال؟ لا أحد يمكنه أن يجيب عن هذا السؤال ولا أظن أن تيري غيليام نفسه يعرف الإجابة!

لا شك أن الفيلم يترك في النهاية شعورا بالأسى والشفقة تجاه منتجي الفيلم الذين أنفقوا ما يقرب من 24 مليون دولار في عمل لا نظن أنه سيجني لهم شيئا!



المصدر: العرب اللندنية

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net