Tahawolat
العقد الأخير من عمر السينما العربية تحوّل إلى مع يعرف بـ"عُقد البلاستيك" بعد أن تسابق النجوم خلف الجمال المُختلق على يد أطباء تجميل وخبراء التخسيس وأطباء.

صدق السينما في نقل نبض الحياة بكافة أوجهها المتنوعة، وطبيعة الوجوه التي جسّدت أدوارا مختلفة خلق حالة من الحميمية العربية مع نجوم الشاشة الكبيرة الذين تعلقت بهم أفئدة الجماهير لشدة بساطة طلتهم وتلقائيتها في أحيان كثيرة.

وأحب عشاق الفن بنوعيه الغنائي والدرامي، أسنان نجاة الصغيرة ونجلاء فتحي وهند صبري البارزة، لم تؤرقهم عيون المطربة أم كلثوم الجاحظة وهي تغني أو تمثل، لم يقفوا كثيرا أمام الوزن الزائد للفنانة ليلى علوي وهي في قمة نجوميتها، ولم ينزعجوا من قصر قامة الفنان السوري دريد لحام والممثلة المصرية شيري عادل.

 
ظل النجوم والنجمات في عيون عشاقهم لعقود طويلة، مثل الفواكه الطازجة التي تشع جمالا ونضارة متجدّدة ومذاقا فنيا مختلفا لكل واحد منهم خصوصيته التي تميّزه عن غيره، إلاّ أنه وخلال الأعوام العشرة الأخيرة تحوّلت الفواكه الطبيعية إلى صناعية، بلا طعم إنساني فريد أو شكل جمالي مغاير

كما لم يقلقهم الشحوب الدائم في وجه المطرب عبدالحليم حافظ، ولا تواضع وسامة الفنان عماد حمدي الذي ظل النجم الأول للشاشة الكبيرة لأكثر من ثلاثين عاما، كما انحازوا أيضا إلى ملامح أحمد زكي السمراء، وتحوّل يحيى الفخراني لأحد فتيان الشاشة الأكثر جماهيرية رغم ملامحه الجسدية المختلفة عن كل زملائه، كما ظل “الحول” الخفيف في عيني الفنانة نبيلة عبيد من أسرار جاذبيتها.

وفي المقابل، تحوّل العقد الأخير من عمر السينما العربية إلى مع يعرف بـ”عُقد البلاستيك” أو سلاسل، بعد أن تسابق النجوم خلف الجمال المُختلق على يد أطباء تجميل وخبراء التخسيس وأطباء أسنان ومدربي الرياضة.

ومن المنطقيّ أن يتجمّل الفنانون والفنانات، لأن صورتهم على الشاشة جزء من أدواتهم الفنية، لكنها ليست كل الأدوات، ومن غير المنطقي أن نرى نجوما مغلفة داخل إطار جمالي موحّد، ومعلّبة في صور يتم تصديرها للمشاهدين، عليهم تقبلها لأنها الأفضل في برنامج “الفوتو شوب الإنساني” الذي وضعه أخصائي نحت وتنحيف الجسد ومتعهدو نفخ الوجوه وشدّها، ووكلاء “ابتسامة هوليوود” في الأسنان وخبراء تضخيم العضلات وإبراز “السكس باكس”.

وعندما سئلت الممثلة الأميركية كوين لطيفة عن سبب رفضها القيام بأي حمية لإنقاص وزنها الذي يتجاوز المئة كيلو؟ أجابت “ولماذا أفعل ذلك بعد أن كافحت كثيرا لأصبح هذه الشخصية المميزة فنيا وإنسانيا؟”.

وترى المطربة أديل أن سر حب الجمهور لها، بالإضافة إلى صوتها بالطبع، أنها “لا تشبه العصا الرفيعة”. وعلقت الجميلة كاميرون دياز على رفضها إزالة التجاعيد عن وجهها رغم عدم تجاوزها سن الـ45، بقولها “أحب نفسي كما هي ومتصالحة بشدة مع سنوات العمر التي أعيشها باستمتاع”.

وإذا انتقلنا إلى السينما الهندية، ذات الشعبية الكبيرة عالميا وعربيا، سنجد أن شاروخان لا يملك المواصفات المثالية للوسامة التقليدية، إلاّ أنه النجم الأنجح والأكثر شعبية داخل الهند وخارجها على مدار أكثر من ربع قرن.

كذلك كاجوال الممثلة التي لا تملك مقومات شكلية للنجمات التقليديات للسينما الهندية السابقات عليها أو اللاحقات بها، ورغم ذلك فرضت نفسها كنموذج فريد للمرأة الهندية الحقيقية فوق الشاشة.

وحب هؤلاء النجوم وغيرهم لأنفسهم وثقتهم في صورتهم العادية، بلا مونتاج، كانا كفيلين بنجاحهم في اجتذاب الجماهير لهم ولأعمالهم، فالفنان ينجح عندما يصدق نفسه ويحب صورته ويثق في موهبته وكونه متفردا. وعندما سئل الكاتب المصري الراحل أسامة أنور عكاشة، كيف يختار نجوم بعينها لأداء الأدوار التي يكتبها في أعماله؟ قال “الدور يذهب لمن يشبهه شكلا ومضمونا.. الممثل يمنح أي دور جزءا من روحه”.

هنا تكمن المشكلة، فلم تعد هناك روح تعبيرية وأدائية خاصة لكل فنان، إلاّ في استثناءات قليلة، عقب تحوّل الكثيرين لوجوه فاقدة التعبيرات البشرية المألوفة، ما أبعد البعض منهم عن دائرة اهتمام الجمهور الذي لم يجد فيهم من يشبهه. وليت الأمر توقف عند هذا الحد، لأن الهوس بالكمال الشكلي انتهى ببعض النجوم للتشوّه والإصابة بالاكتئاب والأمراض الجسمانية الصعبة.

وقد خاض الكاتب ورسام الكاريكاتير الراحل صلاح جاهين، تجربة حمية غذائية لإنقاص وزنه قبل سنوات من وفاته، وبعد أن خسر نصفه تقريبا قال “لقد فقدت نصفي السعيد”، فالسعادة ليست أن تصل لمراحل الكمال الشكلي، لا سيما إذا ما أفقدك هذا الكمال أو السعي إليه جزءا من روحك وطبيعتك.

وكان النجم نور الشريف، يردّد دائما أن الوسيلة الوحيدة لاستمرار الفنان هي ثقافته ووعيه بظروف مجتمعه، ولم يمد الله في عمره ليرى بعض الممثلين يحقنون وجوههم بـ”البوتوكس” ويستفزّون المشاهدين بعضلاتهم في كل الأدوار، بلا منطق درامي ولا بشري.

وهذا يفسر حالة استهلاك النجوم التي يقوم بها الجمهور وإلقائهم بعيدا عن ذاكرته سريعا، فالمشاهد لا يريد ملكات جمال ولا أبطال كمال أجسام دائما، بل يريد متابعة من يشبهه ويرغب في رؤية بشر حقيقيين، متوسطي الجمال، منهكي الوجوه، مترهلي الجسد، أجسامهم ضخمة أو قصار القامة، معوجي الأسنان أو دونها، أناس أصحاب ندب وبثور وتجاعيد.

وكل ما سبق معطيات تفسر أحد أسرار نجومية بعض الأسماء التي تحمل السمات الشكلية البسيطة، مثل محمد رمضان وسيد رجب ومحمود الليثي، إلى جانب قبول المشاهدين لنجمات بلا رتوش مثل إيمان العاصي وشيري عادل وأمينة خليل وتارا عماد وآيتن عامر.

ولأن الفن ونجومه من أهم أذرع القوة الناعمة لأي دولة عربية، فإن ما يحدث حاليا بمثابة عملية إنهاك لهذه القوة بإبعاد الجمهور عنها، حيث لم تعد تملك أهم أدوات التواصل معه في الموضوعات التي لا تتحدث إلاّ عن الخارجين عن القانون والعشوائيات أو العالم المخملي لطبقة الأثرياء.

باتت السينما العربية اليوم تعيش في هذا “العقد البلاستيك” الذي عمّق جراحها، فرغم تمتّع الكثير من صناعها في مجال الكتابة والإخراج بمواهب مبشرة، إلاّ أنهم يهربون بنصوصهم الواقعية المبدعة شديدة الالتصاق بالناس إلى السينما المستقلة التي أصبحت بدورها مهجورة جماهيريا، وذلك نتيجة ثقة مؤلفيها ومخرجيها بأن نجوم الصف الأول لن يقبلوا إلاّ بأدوار تفصيل على مقاس جمالهم أو عضلاتهم.



المصدر: العرب اللندنية

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net