Tahawolat

ينتمي الفيلم المصري “الأصليين”، المأخوذ عن رواية وسيناريو أحمد مراد، وإخراج مروان حداد، إلى سينما تعتمد على الإشارات الرمزية الكامنة تحت جلد الصورة، وعلى النص الذي يخفي أكثر ممّا يظهر، ويقوم الفيلم أساسا على لعبة القط والفأر: أي الصياد والفريسة، فمن هو الفريسة، ومن هو الصياد؟


يقدّم الفيلم المصري “الأصليين” للمخرج مروان حداد “سمير عليوة” (ماجد الكدواني) كفريسة، وهو موظف في أحد المصارف، حالته المادية ميسورة، يقيم في أحد الأحياء المغلقة الجديدة مع زوجته، وهي سيدة سطحية لا يشغلها سوى التملك والاستهلاك السلعي والمظاهر الخارجية للأشياء، وابنيه المراهقين المشغولين بأنفسهما، ينتظران منه أن يلبي مطالبهما التي لا تنتهي.


لكن سمير يعاني من عدم التحقّق، ومن أزمة انصياع لما كانت تمليه عليه أسرته، تلاحقه في الطفولة، وهو يهرب كثيرا إلى الخيال، بحثا عن تفوّق زائف لا يملك تحقيقه حتى في خياله.


سمير نموذج للمصري المتوسط، ابن الطبقة الوسطى الذي لا يملك قدرة التمرّد على واقعه أو السعي لتغييره بأي شكل من الأشكال، بل فقط مواصلة الهروب في خياله، وعندما يفقد وظيفته في البنك تنقلب حياته رأسا على عقب، فهو إنسان ميت خارج الوظيفة التي لا يعرف غيرها، ولكي يهرب من مواجهة الحقيقة يكذب على أسرته ويوهمها بأنه ما زال مستمرا في العمل، يرتدي ملابسه ويغادر منزله صباح كل يوم ويعود مع نهاية يوم العمل، لكنه لن يتمكّن من الاستمرار في خداع الأسرة طويلا.


الاتصال


يفشل سمير في العثور على عمل بديل، لكن الحظ يطرق بابه ذات يوم عندما يتلقى طردا داخله تليفون محمول ورسالة، وسرعان ما يتلقى اتصالا من رجل يطلق على نفسه اسم الممثل الراحل رشدي أباظة (خالد الصاوي)، ثم يقابله الرجل ليخبره بأنه عضو في منظمة تدعى “الأصليين” ويغريه بالعمل لحساب المنظمة التي يوضّح له أنها تضم الملايين من المصريين الذين يراقبون باقي المصريين، وأنهم (روح الوطن) الذين يظهرون عندما تواجه الدولة خطر السقوط في الفوضى.


ويكلفه بمراقبة أكاديمية شابة متخصّصة في علم الحضارات، هي ثريا جلال (منة شلبي) التي عادت مؤخرا من الخارج بعد حصولها على الدكتوراه في “رصد منحنى الحضارات الإنسانية”، وأصبحت -كما نرى- تدعو في محاضراتها إلى ضرورة ردم الهوة بين الماضي والحاضر، واستعادة قوة الدفع التي ميّزت الحضارة المصرية القديمة، واستلهام “الموروث” الفرعوني المقدّس الذي يتمثل في زهرة اللوتس رمز الخلق والبعث الجديد، والعين (عين حورس) التي ترمز للقدرة على إعادة الحياة إلى طريق الخير والعدل (الذي كان يمثله أوزوريس).


تردّد ثريا جلال كثيرا في محاضراتها أن “اللوتس هي التي ساعدت المصري على التخلّص من قيوده وخلق الخيال الخاص به الذي ساعده على إكمال حضارته”، ولكننا سنتغاضى هنا عن غموض هذه الأفكار والتباسها وخروجها عن مسار القصة أو عدم قدرة السيناريو على صياغتها وغرسها بشكل مقنع في إطار الحبكة التي تدور حول الفكرة الأساسية أي لعبة القط والفأر.


كما سنتغاضى أيضا عن هشاشة فكرة رعب السلطة من هذه الأفكار بحيث يوحي بأنها تكره العلم والثقافة وتخشى كثيرا تأثيرهما، وهي مسألة خلافية (فهل السلطة تخشى الثقافة في المطلق، أم تهتم بما يمكن توظيفه منها


لخدمة أيديولوجيتها، سواء من التراث الفرعوني أو غيره؟)، ونتوقّف أمام بعض التساؤلات (النظرية الافتراضية) من داخل الفيلم نفسه، أو ممّا يمكن استنباطه من داخل نسيج الفيلم.


أولا: لماذا يلجأ “رشدي أباظة” إلى نمط تقليدي مثل “سمير عليوة” الذي تجاوز منتصف العمر، ويميل بوضوح إلى الكسل والخضوع، ولا يمتلك طموحا، ولا طاقة له على التعامل مع لغة الميديا الحديثة ووسائل الاتصال الرقمية التي سيضطر لاستخدامها من دون أن يكون قد تدرّب عليها، هل يرجع السبب إلى أن “الأصليين” يستغلّون ظروف سمير الشاقة بعد أن فقد وظيفته مثلا؟ ولكن لماذا سمير وما هي مميزاته؟


ونموذج سمير، هو ما يريد الفيلم تقريبه إلى أذهان المشاهدين باعتباره نموذجا شائعا للإنسان المتوسط، الخاضع، المستسلم، الجبان بحكم تركيبته الذي لا يميل إلى التمرّد، محدود الطموحات، وبالتالي يسهل تطويعه وترغيبه بإسناد ذلك العمل الجديد إليه، ضمن جهاز هائل للتجسّس على المواطنين، وإغرائه بالمال الذي سيجنيه من هذا العمل، وهو في أمسّ الحاجة إليه بعد أن تراكمت الديون عليه.


وبعد أن يبدأ سمير العمل، يتلصّص على حياة وتصرّفات ثريا جلال، يتوقّف فقط أمام كون حبيبها يخونها مع امرأة أخرى، هذه المعلومة يعتبرها رشدي أباظة الأهم على الإطلاق، لأن الفشل في الحب قد يؤدي بصاحبه إلى الشعور بالإحباط ثم اللجوء لأعمال معادية للمجتمع، غبر أن ما تتمتع به ثريا من رؤية جديدة وشخصية قوية وجاذبية أنثوية، تجذب سمير إليها، وتدفعه لمخالفة تعليمات رشدي وحضور إحدى محاضراتها، لا لكي يناقشها في أفكارها، بل ليبلّغها عبر رسالة مكتوبة بأن حبيبها يخونها.


ولع بالصحف القديمة


لكن ما مغزى ولع سمير، حدّ الإدمان، بشراء الصحف القديمة وترتيبها في أكوام كبيرة داخل غرفة صغيرة خاصة في شقته على نحو يذكرنا ببطل الفيلم التركي “من 10 إلى 11” للمخرجة بيلين أسمر (2009)؟ هل يعكس هذا مجرد حنين لدى سمير لتكديس وتخزين أوراق تنتمي إلى الماضي، خاصة وأنه لا يقرأها أبدا، بل يكتفي بمطالعة عناوين بعضها بين وقت وآخر؟


هل هي رغبة في تجميد الزمن هربا من الحاضر الخانق داخل هذه الغرفة الخانقة التي تحتوي على الصحف القديمة، وتحريم دخولها على أفراد أسرته وانزعاجه إذا ما فاجأته زوجته بداخلها وكأنه يقوم بفعل “سرّي” مثلا؟ ليس هناك تفسير محدّد، فالأمر متروك لكي يفسّره كل منا طبقا لاستقباله له.


سمة الغموض والإخفاء والتلويح بالإشارات، تبرز في الفيلم كثيرا، وربما كانت تضفي عليه جمالا خاصا، لكن الجمهور الذي اعتاد الشرح وتفسير الدوافع يجد بالطبع صعوبة في التفاعل مع هذا النوع من السينما المختلفة.


رشدي أباظة اسم وهمي دون شك، وهو يوحي بالرغبة في المداعبة والسخرية أيضا التي تميّز أسلوب الشخصية، وميلها للشعبويّة، إنه يترك نفسه يتطوّح مع الصوفيين الذين يتطوّحون وهم ينشدون الأذكار، ويساهم في أعياد الأقباط ويندمج في احتفالاتهم، ثم يصل إلى قمة العبث عندما يجذب سمير معه في رحلة ليلية وسط الأشجار الكثيفة، ليسمعه صوت امرأة “نداهة”، غالبا ساحرة أو بالأحرى محتالة، ثم يعترف له بأنه نجح أيضا في “تجنيدها” لحساب الأصليين.


هذه الشخصية التي يتقمصها خالد الصاوي ببراعة كبيرة، تستدعي إلى الأذهان صورة ضابط الأمن (أو المخابرات) الذي يكون عادة ناعما، رقيقا، استدراجيا، إغوائيا عند تعامله مع “عميل مفترض” يقوم بتجنيده، لكن هذا لا يمنع من أنه عند الضرورة، أو عندما يقتضي الأمر، يكشف عن وجهه القبيح مهدّدا ومنذرا بالتهام ذلك “الفأر” الذي وقع في المصيدة، فالقط رشدي يتسلّى بفريسته قبل أن يقبض عليه بأسنانه إذا ما حاول التملص.


منظومة الاستبداد


يكتشف سمير أنه يمارس عملا في التجسّس لا يتلاءم مع شخصيته وتركيبته النفسية الانعزالية، خاصة بعد أن يجد نفسه منجذبا إلى شخصية ثريا التي هي نقيض شخصية رشدي، فهي التي تنتمي حقا إلى “الأصليين”، أي المصريين الباحثين عن “الأصالة”، أما جماعة “روح الوطن” التي تنسب لنفسها الأصالة في مقابل وصم غيرها بالشك والاشتباه، فهي أساسا منظومة السلطة الشمولية الاستبدادية.


وفي الحوار بين سمير ورشدي يكرّر رشدي في أكثر من مشهد “ليس هناك أحد لا تتم مراقبته”، وأن كل الناس مشبوهون “إلى أن يثبت العكس” ، وعندما يتساءل سمير بدهشة “هل تراقبون التسعين مليون”؟ يجيبه رشدي “ما يهمنا منهم 54 مليون”، أما كون “الأصليين” بالملايين وقد يكونون أيضا “أقرب الناس إليك”، فهي عبارة بليغة تتأّكّد ببراعة عندما تكشف الأم لسمير عن أشياء خاصة كان يمارسها في مراهقته لا يعرفها غيره، ليستنتج بالتالي أنها من “الأصليين”!


وعندما يخالف سمير التعليمات ويسعى للاقتراب من ثريا، يكون كل عقابه مجرّد وشم على ذراعه لتذكيره بضرورة الانصياع، ولكن إذا كان سمير قد تمرّد على الأصليين في النهاية، فما الذي ترتّب على هذا؟


الإجابة لا شيء، فهو لم يدفع الثمن، فلا هو منع من مغادرة البلاد، ولا ألقي القبض عليه، ولا انتهى -كما كان متوقعا مثلا- نهاية شبيهة بنهاية “هاري كول” بطل فيلم “المحادثة” (1974) لفرنسيس فورد كوبولا، حينما أخذ يبحث في أرجاء منزله عن أجهزة التصنّت محطما كل محتويات المنزل، ثم جلس بين الحطام بعد أن يأس من الوصول للحقيقة.


وسمير -كما نعلم في المشاهد النهائية- يتمكّن من الفرار من القاهرة إلى الواحات لكي يُحوّل قطعة الأرض التي ورثها عن أبيه، إلى منتجع سياحي، ثم يسافر إلى ألمانيا للاتفاق على جلب مجموعة سياحية، من دون أن يتعرّض له أحد أو يعاقبه على مخالفته شروط “العقد” الذي وقعه مع “الأصليين”، وإن كنّا نشاهد في اللقطة النهائية رشدي وهو يتأهّب لركوب الطائرة مع سمير، فهو ما زال يتتبّعه ويراقبه، وتعليقه من خارج “الكادر” على شريط الصوت يؤكّد أن لا أحد يمكنه الخروج من مزرعة الدواجن، فهل سينزل العقاب بسمير؟ ربما لكن ألم يتأخر العقاب طويلا؟


ما الذي يترتّب أيضا على عمليات المراقبة المعقدّة التي تشمل الملايين من المصريين؟ لا يوجد نموذج واحد في الفيلم يشي بوقوع أي نوع من “العقاب”، وحتى عندما يقول رشدي أباظة لسمير إنهم يراقبون شخصا يشكّل خطرا ما، ويسأله سمير لماذا لا يقبضون عليه؟ يستنكر رشدي الاقتراح، ويقول إنهم لا يقبضون على أحد.


إنهم أقرب إذن إلى شرطة الفكر، لديهم نهم خاص لجمع المعلومات، كل المعلومات، حتى عمّا يتناوله المرء من طعام وشراب، والواضح أن منظومة القهر عند “الأصليين” أكبر من مجرد منظومة وظيفية، بل “منظومة وقائية”، فهل هي مرتبطة بمنظومة أخرى عالمية أكبر وأشمل؟


هذا التساؤل وغيره يظل من دون إجابة، لكن ميزة الفيلم، الذي لا شك أنه منسوج ببراعة كبيرة، تكمن في قدرته على إثارة الكثير من الأفكار والتساؤلات، وفي الوقت نفسه، الواضح أن صنّاع الفيلم حرصوا على ألاّ يتسبّب الفيلم في اعتراضات من جانب الرقابة، فاللجوء إلى الرمز والإشارة لا يكون دائما اختيارا فنيا، بقدر ما يلجأ إليه الفنانون الذين يعملون في مجتمعات استبدادية.


ويتمتع فيلم “الأصليين” بأداء تمثيلي ممتاز من البطلين الرئيسيين بوجه خاص، وبصورة ممتازة، وموسيقى ملائمة لطبيعة الموضوع وغموضه، مع قدرة على ابتكار تكوينات مدهشة.


ويعتبر الحوار من المعالم المتميزة في الفيلم، بإيحاءاته ومراوغاته وإسقاطاته القوية، ومع ذلك يعاني الفيلم من بعض الاستطرادات الزائدة في مشاهد محاضرات ثريا وما يكتنفها و”مونولوجاتها” الطويلة المفتعلة من حيث الكلمات، وخروج المشاهد التسجيلية المصنوعة لأسطورة ياسين وبهية عن السياق، بينما كان الأفضل استبعادها تماما من الفيلم لتجنّب الدخول في متاهات فكرية جديدة، مثل نسبية الحقيقة والتشكيك في الروايات الشائعة لأحداث التاريخ.


عندها كان يمكن أن يصبح الفيلم أكثر قوة وإحكاما، خاصة لو اختار صانعوه تصوير نهاية رمزية تتناغم مع موضوع الفيلم وأسلوبه، فالتمرّد الفردي على “النظام” عادة ما ينتهي بهزيمة قاسية.




المصدر: العرب اللندنية

آراء القراء

0

أضف تعليقاً



الرسالة البريدية

للاتصال بنا

هاتف +961 1 75 15 41
موبايل +961 71 34 16 22
بريد الكتروني info@tahawolat.net